(1892-1823) إرنست رينان
Ernest Renan
Ernest Renan
إرنست رينان (1823-1892) مفكر وكاتب وعالم لغات وفيلسوف وعالم نقوش ومؤرخ فرنسي تركز جزء كبير من أعماله على الأديان وخصوصا الإسلام.
وُلد رينان في 27 شباط (فبراير) 1823 لعائلة تعمل في صيد السمك في بلدة تريغييه (كوت دارمور) في منطقة بريتاني، حيث كان جده قد اشترى منزلا واستقر بعدما حقق بعض الثراء. أما والده، فكان قبطان سفينة صغيرة وجمهوريا متشددا ووالدته ابنة تجار ملكيين من بلدة لانيون القريبة. وقد ذكر لاحقا أنه تأثر إلى حد كبير بالاختلاف العقائدي بين والديه طوال حياته.
توفي والده عندما كان في الخامسة من عمره وكان لشقيقته هنرييت التي تكبره باثني عشر عاما، التأثير الأكبر عليه. لكن، بعد محاولة فاشلة لفتح مدرسة للبنات في تريغييه، انتقلت إلى باريس للتدريس في مدرسة للبنات.
درس رينان في المدرسة اللاهوتية في مسقط رأسه. وقد تلقّى تعليما واسعا في الرياضيات واللغة اللاتينية من الكهنة، بينما أكملت والدته مهام تعليمه في المنزل. وفي 1838 فاز بجميع جوائز المدرسة.
وبدعم من اللاهوتي والمدرس والسياسي الأب فيليكس دوبانلوب (1802-1878) مؤسس معهد سان نيكولا دو شاردونيه اللاهوتي، واصل تعليمه في هذا المركز التعليمي الذي كان يدرس فيه أبناء العائلات الأرستقراطية الكاثوليكية الشباب بهدف تعزيز الروابط بين هذه الطبقة ورجال الدين.
في 1840، غادر رينان معهد سان نيكولا دو شاردونيه لمواصلة دراسة الفلسفة في معهد إيسي ليه مولينو. لكن فقه اللغة أثار اهتماما أكبر لديه. فبعد أن أكمل دراسته في إيسي، التحق بمعهد سان سولبيس لدراسة علم اللغات واللغة العبرية.
غادر رينان معهد سان سولبيس في 1845 ليعمل مشرفا في كلية ستانيسلاس. لكنه فضل قطع آخر صلة تربطه بالحياة الدينية والتحق بمدرسة كروزيه الداخلية الخاصة للعمل بصفة مرب بدون أجر، لساعتين في اليوم.
هناك، تعرف في 1846 إلى مارسيلان بيرتيلو الذي أصبح عالم كيمياء معروفا وكان آنذاك في الثامنة عشرة من عمره، وكان تلميذه. وقد أطلعه على قواعد الفيزياء والعلوم الطبيعية وربطهما صداقة لم تنقطع.
في 1847، نال رينان جائزة فولني إحدى الجوائز الرئيسية التي تمنحها أكاديمية النقوش والآداب، عن مخطوطة كتابه "التاريخ العام للغات السامية". وفي العام نفسه منح المركز الأول في جائزة التدريس الفلسفي (جائزة التكريم) وعُيّن أستاذا في مدرسة ليسيه فاندوم.
أنهى رينان دراسة الفلسفة في 1848، وأرسل الحكومة الفرنسية إلى إيطاليا لمدة ثمانية أشهر بين عامي 1849 و1850، في مهمة تتلخص بدراسة وفهرسة ما تملكه مكتبات روما وفلورنسا ونابولي ومونتي كاسينو من مخطوطات. هناك التقى المستشرق الإيطالي ميكيلي أماري (1806-1889) واصبحا صديقين.
بعد ذلك أرسل إلى إنكلترا في 1851.
في 1852 قدم رينان أطروحتين لنيل الدكتوراه في الآداب، تناولت الأولى باللغة الفرنسية الفيلسوف المسلم ابن رشد وأعماله بينما تضمنت الثانية باللغة اللاتينية، دراسة مخطوطات سريانية من دير السريان (في صحراء النطرون)، كان المتحف البريطاني قد حصل عليها مؤخرا.
في 1856، أصبح عضوًا في أكاديمية النقوش والآداب الجميلة.
وفي السنة نفسها تزوج من كورنيلي شيفر التي تنتمي إلى عائلة بروتستانتية من الرسامين مما فتح له أبواب الأوساط الفنية والسياسية. كما انضم إلى الماسونية وقُبل في محفل الشرق الكبير الفرنسي في باريس الذي كان آنذاك بروتستانتيا.
شارك رينان في 1860 و1861، في بعثة فرنسية للتنقيب عن الآثار في لبنان وسوريا. وبعد عودته إلى فرنسا، عين أستاذًا للغة العبرية في كوليج دو فرانس لكنه أوقف عن العمل بعد أربعة أيام على محاضرته الافتتاحية لإهانته الإيمان المسيحي.
في 1863، حقق كتابه "حياة يسوع"، الذي ألفه خلال إقامته في غزير بلبنان، نجاحا باهرا، لكنه أثار انتقادات حادة بما في ذلك من قبل البابا بيوس التاسع الذي وصفه بأنه "أوروبي مجدف". وبسبب الكتاب الذي اعتبر تدنيسا للمقدسات، عين بديل له في 1864 في قسم اللغة العبرية في كوليج دو فرانس.
في العام التالي قام رينان بجولة في مصر وآسيا الصغرى واليونان.
ترشح رينان في 1869 لمقعد برلماني في سين إيه مارن، لكنه لم ينتخب.
في 1878، انتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية.
في 1883، أصبح مديرا لكلية فرنسا.
توفي رينان في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) 1892 في شقته في كوليج دو فرانس في باريس. وكان قد بدأ يعاني من أمراض في القلب والروماتيزم منذ 1868 وأصيب في السنوات الأخيرة من حياته بمرض في المثانة والهربس النطاقي.
اهتم رينان بدراسة الإسلام. فقد خصص في كتابه "دراسات في التاريخ الديني" (1863) فصلا للنبي "محمد وأصول الإسلام". كما ألقى محاضرة شهيرة عن الإسلام والعلم، بعنوان "الإسلامية والعلم" إلى جانب مقالات أخرى حول بعض الكتب العربية والإسلامية.
يعتبر رينان الإسلام آخر الأديان العظيمة، ويؤكد بأسلوبه العلمي الواضح أن أصول الإسلام لا لبس فيها، وأن "الأثر الأصيل للتاريخ البدائي للإسلامية، وهو القرآن الكريم، لا يزال عصيا على النقض".
وهو لا يرى أي غموض في أصول الإسلام، بينما يرى أن الديانات الأخرى لها بدايات غامضة وجذور يصعب كشفها. فحياة محمد معروفة بتفاصيلها، لذلك لا يشكك رينان في الأصول التاريخية للإسلام كما يفعل مع المسيحية. ومع ذلك، فهو ينتقد ما يراه من عرقلة الإسلام للحركة العلمية والقيود التي يقيد بها العقل - وهي آراء يشرحها في محاضرته عن الإسلام والعلم.
وفي كتابه عن الفيلسوف ابن رشد "ابن رشد والرشدية" (1852) يرى أن التعصب الديني جعل المسلمين معادين للتقدم العلمي والفلسفي. وهو يعتبر أن العلم والفلسفة العربيين تراجعا بعد وفاة ابن رشد، وأن مصطلح "الفلسفة العربية" مُضلل لأن الفلسفة غريبة على الثقافة العربية التي تتمحور حول الإسلام. ولأن الإسلام، من وجهة نظر رينان، كان بطبيعته عدوا للعقل والفكر الحر، فقد اعتقد أنه من المستحيل القيام بعمل ذي معنى في بيئة إسلامية. بناءً على هذه الفكرة، صور رينان ابن رشد على أنه مفكر حر منعزل وغير مؤمن من أصل أوروبي، عاش في خوف دائم من الاضطهاد، ويمكن اعتبار عمله مقاومة للإسلام.
من مؤلفاته
"مستقبل العلم" (1848)
"صلاة على الأكروبوليس" (1865)
"ما هي الأمة؟" (1882)
"حوارات فلسفية" (1871)
"سفر الجامعة" (1882)
"أصول المسيحية " (1876)
"تاريخ إسرائيل" (1881-1891)
"تاريخ اسرائيل" دراسة شغلت حياته بأكملها، للعهد القديم ومجموعة نقوش. نشرت الدراسة تدريجيا أكاديمية النقوش والآداب الجميلة اعتبارا من 1881 حتى وفاته. لكنها صدرت في خمسة مجلدات بعد ذلك بدءا من 1887 وآخرهما بعد وفاته. ونشر بعد وفاته أيضا مراسلاته مع شقيقته هنرييت، و"رسائل إلى السيد بيرتيلو"، و"تاريخ السياسة الدينية لفيليب الوسيم".
أثارت دراسات رينان عن الإسلام اهتماما في العالم العربي، ولا سيما أطروحته عن الفيلسوف المسلم ابن رشد (1126-1198) التي نشرت في 1852 تحت عنوان "ابن رشد والرشدية: مقال تاريخي". لكن إرثه من الدراسات العربية لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه.
في لبنان، أقام إرنست رينان مع زوجته كورنيلي وشقيقته هنرييت في منزل زخيا شلهوب الكِلاب وابنها عبد الله زخيا الكِلاب، وهي عائلة مارونية مرموقة من عمشيت (قضاء جبيل)، منح العثمانيون أجدادها ألقابا رفيعة وأسست أول مستشفى في لبنان (مستشفى القديس ميخائيل في عمشيت). وتشير لوحة معلقة على جدار المنزل إلى أن رينان وجد في عمشيت أيضًا السكينة والإلهام اللازمين لكتابة أحد أهم أعماله: "حياة يسوع".
وهناك أيضًا ترقد هنرييت، التي توفيت عام 1861، في قبو عائلة زخيا، "على مقربة من كنيسة هذه القرية التي أحبتها كثيرا".