بطرس المبجل (1092-1156)
Petrus Venerabilis, Pierre le venerable
Petrus Venerabilis, Pierre le venerable
بطرس المبجل (أو الموقر أو المحترم أو المكرم) راهب وعالم لاهوت فرنسي عمل على نشر أول ترجمة إلى اللغة اللاتينية للقرآن الكريم في 1143 في إطار مشروع واسع لنقل نصوص عربية سميت ب"مجموعة طليطلة".
في 1142 سافر إلى إسبانيا حيث أمضى وقتا طويلا مع علماء مسلمين وعني بأحوال المستعربين الكاثوليك أي المسيحيين الذين كانوا يعيشون تحت حكم المسلمين في اسبانيا وكانوا يتقنون العربية. ويرجح أنه حصل في طليطلة التي كانت مركزا مهما للترجمة من العربية، على مخطوطات ترجمها فريق شكله لنقل أعمال من العربية إلى اللاتينية.
كان أهم ما أنجزه هذا الفريق أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية.
كلّف بطرس المبجل بهذا العمل بطرس الطليطلي وهرمان الدلماطي (1100-1143) والقس الانكليزي روبرت الرتيني بالتعاون مع عربي مسلم كل ما يعرف عنه هو أن اسمه محمد ومهمته مراجعة الترجمة على النص الأصلي او الترجمة من العربية إلى الاسبانية الشعبية ليترجم النص بعد ذلك إلى اللاتينية.
اجتمع بطرس مع هذا الفريق في بلدة لا ريوخا على الأرجح. ووصف هذا اللقاء بأنه "حدث بالغ الأهمية في التاريخ الفكري لأوروبا".
نشرت أول ترجمة لاتينية للقرآن في 1143 وأصبحت النص المرجعي الذي استخدمه دعاة الحروب الصليبية، وبقيت معتمدة في أوروبا حتى القرن السابع عشر.
لكن مشروع الترجمة هذا لم يقتصر على القرآن الكريم بل شمل أيضا نصوصا إسلامية أخرى سميت باسم "مجموعة طليطلة" (Corpus toledanum) أو (Collectio toledana)، نشرت الطبعة الأولى منها في 1543.
وتتألف هذه المجموعة من كتب "قانون محمد النبي الزائف" (Lex Mahomet pseudoprophet) و"قانون المسلمين" (Lex Sarracenorum) (ترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية قام بها بشكل أساسي روبرت الرتيني) و"أساطير المسلمين" (Fabulae Sarracenorum) للمترجم نفسه.
ويتألف الكتاب الأخير من عدة أجزاء هي "الخلق" و"محمد" و"البطاركة والأنبياء المسلمون" و"الخلفاء السبعة"، و"جيل محمد" (Liber generationis Mahumet)، و"عقيدة محمد" ((Doctrina Mahumet) (من مسائل عبد الله بن سلام)...
شكك بطرس المبجل في جدوى الحروب الصليبية لدفع المسلمين إلى اعتناق المسيحية وكان يرى أن هذا الأمر ممكن عبر الحوار والإقناع. وقد أوصى بإجراء مناقشات عقلانية مع رجال الدين من الديانات الأخرى، بدلا من شن حروب.
بعد عودته من اسبانيا ومن دون أن يقرأ ترجمة القرآن بل كلف مساعده بيار دو بواتييه (حوالي 1130-1215) الذي عمل في فريق الترجمة، مراجعتها، استخدم المواد المترجمة في كتاباته الخاصة عن الإسلام.
وأشهر هذه الأعمال "ملخص الهرطقة الكاملة للمسلمين" (Summa totius heresis Saracenorum).
ولد بطرس المبجل في بلدة بروس في منطقة أوفيرن في مملكة الفرنجة، لعائلة لعبت دورا كبيرا في رهبانية كلوني التي ترأس ديرها في مدينة كلوني (جنوب فرنسا). كان "مكرسًا لله"(1) عند ولادته وأعطي لدير تابع لمجمع كلوني (2) حيث أخذ نذوره في سن السابعة عشرة.
في سن العشرين حصل على درجة الأستاذية وبدأ يتنقل بين الأديرة في فرنسا من فيزيلاي (3) حيث أقام عشر سنوات في دير دومين التابع لدير كلوني، في جنوب شرق البلاد.
وانتخب في 1122 رئيسا لدير كلوني. وبسبب نجاحه انتخب رئيسا للدير العام للرهبان وهو في الثلاثين من عمره بعد أن تم عزل رئيس الدير بونتيوس (4) بسبب معارضة الرهبان له.
أصبح بطرس مصلحا لا يكل لنظام كلوني في مواجهة انتقادات من رهبان وعلماء دين آخرين لكنه نجح في مهمته لذلك اكتسب لقب "الموقر" أو "المبجل". وقد أمن للدير وفروعه في فرنسا واسبانيا موارد مالية كبيرة بفضل اتصالاته بأمراء البلدين.
وعلى الرغم من حياته النشطة ودوره المهم في التاريخ الأوروبي، يعتبر أهم إنجاز لبطرس المبجل مساهمته في إعادة تقييم علاقة الكنيسة بالدين الإسلامي.
توفي بطرس المبجل في كلوني في 25 كانون الأول (ديسمبر) 1156.
في لقائه الأسبوعي العام في ساحة القديس بطرس في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2009، ذكر البابا بنديكتوس السادس عشر (1927-2022)(5) بطرس مثالا على التعاطف والتفاهم، مستشهداً بإدارته لكلوني والدبلوماسية ودراسته للإسلام.
المكرس لله يلتزم عزل نفسه عن متع الحياة وتكريس ذاته ونفسه ووقته ومجهوده من أجل خدمة الدين المسيحي، وهو ما يعني في ذاته خدمة الرب المسيحي.
دير كلوني كان ديرا للآباء البنديكتيين في كلوني سون اي ولوار في فرنسا تأـسس في 910 وكان مخصصا للقديس بطرس. بني الدير تدريجيا مع تشييد ثلاث كنائس بين القرن الرابع إلى أوائل القرن الثاني عشر كانت أولها أكبر كنيسة في العالم حتى بدأ بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما. عرف الدير بالتزامه الصارم قواعد القديس بنديكتوس وأصبح أكبر مركز للرهبانيات الغربية. وقد أطلق حركة إصلاح تحمل اسمه وتعززت مكانته بسرعة في أوروبا وأصبح له فروع. بلغ ذروته من النصف الثاني للقرن العاشر وحتى بداية القرن الثاني عشر عندما حوله رهبان اسبان لجأوا إليه إلى مركز لنشر الثقافة العربية. كان لدى هذا الدير واحدة من أغنى وأهم المكتبات في فرنسا واوروبا تضم عددا هائلا من المخطوطات لكنها نهبت ودمرت خلال النزاعات والثورة الفرنسية. حاولت الحكومات الفرنسية العثور على ما يمكن منها وأودعتها في المكتبة الوطنية في فرنسا.
بونتيوس هو بونس دو ميلغيل (1109-1126) الرئيس السابع لدير كلوني من 1109 إلى 1122. استقال أو أقيل بقرار من البابا كاليكستوس (أو كاليستوس) الثاني (1119-1124) بسبب شكاوى من رهبان الدير، فذهب الى القدس حيث استقبل كقديس وأمضى سنة. ويقال إنه خلال واحدة من الحملات الصليبية، عهد إليه بالرمح المقدس، السلاح الذي اخترق الجزء الأيمن من المسيح عند صلبه.
دير فيزيلاي للبندكتيين في وسط فرنسا: تفيد روايات بأنه قبيل نهاية الألفية الأولى أحضر راهب اسمه بوديلون آثارا لمريم المجدلية إلى فيزيلاي. في 1058 أكد البابا ستيفن التاسع صحة الآثار مما أدى إلى تدفق الحجاج المستمر حتى اليوم. وقد بشر برنار كليرفو بالحملة الصليبية الثانية في مجلس فيزيلاي عام 1146 بحضور ملك فرنسا لويس السابع. كان الحشد كبيرا إلى درجة أنه تم نصب منصة كبيرة على تل خارج المدينة. وعندما انتهى من خطبته التي نجح فيها في تعبئة الحشود وصنع الصلبان، نفد القماش ويروى أن برنار كليرفو خلع رداءه ومزقه لصنع مزيد من الصلبان. وحذا آخرون حذوه وبقي مع مساعديه يصنعون الصلبان حتى الليل. ثم في الثاني من تموز (يوليو) 1190، اجتمعت فصائل الفرنجة للحملة الصليبية الثالثة في فيزيلاي وبدأت رحلتها رسميًا إلى الأرض المقدسة.
البابا بنديكتوس الثالث عشر اسمه يوزف الويسيوس راتسينغر (1927-2022). كان رئيسًا للكنيسة الكاثوليكية من 19 نيسان (أبريل) 2005 حتى استقالته في 28 شباط (فبراير) 2013.
"موسوعة المستشرقين"، عبد الرحمن بدوي
"Those terrible Middle Ages: debunking the myths", Regine Pernoud (2000)
"Peter the venerable and Islam", J. Kritzeck (1964)