(1464-1401) نيكولاس كوسانوس
Nicholas of Cusa, Nicholas of Kues, Nicolaus Cusanus
Nicholas of Cusa, Nicholas of Kues, Nicolaus Cusanus
نيكولاس كوسانوس (1401-1464) رجل دين كاثوليكي وعالم فلك ورياضيات وفيلسوف ألماني سعى إلى فهم أعمق للإسلام ويعد من أهم شخصيات القرن الخامس عشر التي قدمت مساهمات دينية وثقافية كبيرة للنهضة الأوروبية.
ولد نيكولاوس كريفتس أو كريبس (Cryfftz, Krebs) الذي أصبح يعرف باسم نيكولاوس كوسانوس أو نقولا الكوسي نسبة إلى مسقط رأسه مدينة كوس (كوزا باللغة اللاتينية)، في جنوب غرب ألمانيا، في 1401 لعائلة ميسورة.
درس في جامعة هايدلبرغ لسنة واحدة (1416-1417) ثم حصل على دكتوراه في القانون الكنسي في 1423 من جامعة بادوا (شمال إيطاليا) الخاضعة لحكم جمهورية البندقية، حيث التقى عددا من مفكري التيار الإنساني.
وقد تابع دراسته في جامعة كولونيا في 1426، ثم بدأ في بداية ثلاثينيات القرن الخامس عشر عمله الديني وأصبح قسيسا. لكن التفاصيل المتعلقة بحياته في تلك الفترة قليلة.
دافع نقولا الكوسي الذي تعلم اللغات اللاتينية واليونانية والعبرية، عن الانسجام في جميع الأديان وسعى إلى فهمٍ أفضل للإسلام والترويج بنشاطٍ لحوار بين الأديان. وأهم عمل له "في سلام الإيمان" (1453) حول التفاهم بين الأديان، كتبه بعد انتزاع الأتراك المسلمين مدينة القسطنطينية من البيزنطيين وتحويلهم كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد.
لكن نظرته إلى الإسلام ملتبسة وكتاباته عن هذه الديانة معقدة ومتعددة الأوجه. فقد فسرها بعض الباحثين على أنها محاولة لبناء جسور بين الإسلام والمسيحية بينما أشار آخرون إلى مشاركته في التحضيرات لحملة عسكرية ضد العثمانيين.
ففي كتابه "سلام الإيمان" يتبنى لهجة سلمية ويقترح رؤية للتناغم الديني، مشيرا إلى أن جميع الطقوس الدينية المتنوعة ما هي إلا تجليات مختلفة لدين واحد حقيقي. ويؤكد أنه لا بد من تعزيز الحوار والتسامح بين الأديان من خلال تحديد المبادئ الأساسية للإيمان التي يعتقد أنها مشتركة بين جميع الأديان، ويمكن فهمها بالعقل.
ويعد هذا العمل صوتا نادرا يدعو إلى السلام وسط الدعوات السائدة في أوروبا في تلك الفترة، إلى تنظيم حملات صليبية.
لكن خلافا لهذه النبرة السلمية، يبدو كتابه "القرآن" محاولة لإعادة تفسير القرآن الكريم بما يتماشى مع العقائد المسيحية، حتى أن باحثين يشيرون إلى تحريفه للنص الأصلي. إضافة إلى ذلك وبعيد نشر هذا الكتاب شارك بنشاط في التخطيط لحروب صليبية ضد العثمانيين.
وما زال هذا التناقض الواضح بين دعواته إلى السلام ومشاركته في المساعي العسكرية موضوع نقاش أكاديمي.
لم يلتقِ كوسانوس مسلمين لكنه كان على اتصال مع علماء آخرين مهتمين بالنصوص الإسلامية، مثل يوحنا الإشقوبي. كما لم تكن أعماله عن الإسلام موجهة للمسلمين، بل محاولة لفهم الإسلام قد يكون هدفها الأخير هو إثبات تفوق الحقيقة المسيحية أو تسهيل اعتناق هذه الديانة بوسائل سلمية بدلا من استخدام القوة.
وكوسانوس أصبح في 1448 كاردينالا في الكنيسة الكاثوليكية بقرار من البابا نقولا الخامس (1397-1455) وعين مبعوثا بابويا. وتجلّت مهاراته الدبلوماسية في مجمع بازل الذي بدأ في 1431. وقد تفاوض مع أتباع اللاهوتي الإصلاحي يان هوس (1369 أو 1372-1415) من أجل إبقائهم على المذهب الكاثوليكي، وكان في 1439 عضوا في وفد تفاوض على اتفاق لم يدم طويلا مع الكنيسة الأرثوذكسية.
اكتسب نيكولاس كوسانوس الذي كتب كل أعماله الفلسفية بين 1440 و1464، جزءا كبيرا من معرفته من خلال اتصالاته في مجمع بازل، وفي الكنيسة ورحلاته عبر إيطاليا وألمانيا والدول الاسكندينافية. وأثار إعجاب علماء إنسانيين آخرين لا سيما بعد اكتشافه عددا من المخطوطات المفقودة.
وقد نشر كوسانوس أول عمل فلسفي مهم له "في الجهل المُكتسب" في 1440 واستند إلى دراسة المخطوطات الإنسانية القديمة، بالإضافة إلى الأفكار التوراتية التي بدأ شرحها في عظاته. وقد تجنب كوسانوس بشكل عام الجدل الحاد وفضل النقاش السلمي.
باختصار، تعكس أفكار وأعمال نيكولاس كوسانوس مزيجا معقدا من البحث اللاهوتي، والفضول الفكري، والتأثر بالواقع الجيوسياسي لعصره.
فقد كتب "سلام الإيمان" بعيد سقوط القسطنطينية في أيدي الأتراك العثمانيين في 1453، لذلك يصف في كتاباته أحيانا الإسلام بأنه "دين الأتراك" ويبرز التقدم العثماني ويعتبر الإسلام تهديدا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وجهوده لفهم الإسلام وتفسيره ساهمت في تقدم الدراسات الأكاديمية الأوروبية الناشئة حول التفاعل مع الثقافات الشرقية، ومهدت الطريق لتطورات لاحقة في الدراسات الشرقية.
جمع كوسانوس عددا هائلا من الكتب والمخطوطات التي قرأها وعلق عليها.
كان نيكولاس كوسانوس أيضا عالما طوّر المفاهيم الرياضية للحركة المتناهية في الصغر والحركة النسبية. في مجال البصريات، كان أول من اقترح في 1451 استخدام العدسات المقعرة لتصحيح قصر النظر، وهو تقدم كبير إذ إن النظارات السابقة كانت تستخدم العدسات المحدبة فقط لطول النظر. في مجال الطب، كان رائدا في اقتراح حساب معدل نبض المريض في التشخيص واقترح استخدام ساعة مائية لهذا الغرض، وهو مبدأ أساسي لا يزال مستخدمًا في الطب الحديث.