(1540-1469) تيسيو ديلي ألبونيزي
Teseo Ambrogio degli Albonesi, Theseus Ambrosios Albonesius
Teseo Ambrogio degli Albonesi, Theseus Ambrosios Albonesius
تيسيو أمبروجو ديلي ألبونيزي (1469-1540) هو واحد من أوائل الباحثين في اللغات السامية في أوروبا الذين أرسوا أسس الدراسات الاستشراقية المؤسسية التي تلت، وينتمي إلى "أقدم جيل منهم" درس اللغة السريانية.
وُلد تيسيو ألبونيزي حوالى 1469 في مدينة بافيا (إيطاليا) وتوفي بعد 1540 على الأرجح في مسقط رأسه.
حصل على دكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة بافيا ثم أصبح في 1494 قسيسا في كنيسة القديس يوحنا اللاتراني في روما، ثم في كاتدرائية بافيا، وهذا ما أتاح له الحصول على موارد فكرية ورعاية كبيرة وتواصل مباشر في إطار اهتماماته بالدراسات اللاهوتية واحتياجات مؤسسة الكنيسة.
اهتم باللغات الشرقية لخدمة أهداف أوسع للكنيسة من بينها تعميق فهم النصوص المقدسة أو تسهيل التواصل مع المجتمعات المسيحية الشرقية.
خلال مجمع لاتران الخامس (1512-1517) (1) في روما كلفه الكاردينال برناردينو لوبيز دي كارباخال (1456-1523) نيابةً عن البابا ليون العاشر ترجمة طقس القداس الماروني من اللغة السريانية إلى اللاتينية للتحقق من توافقه مع العقيدة الكاثوليكية. كان عليه العمل مع ثلاثة رجال دين لبنانيين انتدبهم بطريرك الكنيسة المارونية إلى المجمع. وقد وردت أسماؤهم على أنهم الكاهن يوسف والراهب والشماس موسى والشماس إيليا أو الياس.
يقول ألبونيزي إنه لم يكن يعرف كلمة واحدة من السريانية حينذاك.
لكن بعد سفر رفاقه، بقي الشماس إلياس الذي كان يبلغ من العمر عشرين عاما في روما لمدة عامين للدراسة في دار القساوسة اللاترانيين. وقد اختير تيسيو لتعليمه اللغة الإيطالية، وفي المقابل تعلم منه السريانية والعربية.
تعلم ألبونيزي العبرية من يهود روما، ولا سيما الطبيب والنحوي أبراهام بن مئير البلميسي (حوالي 1440-1523) الذي ترجم عددا كبيرا من الأعمال العربية والعبرية إلى اللاتينية، والطبيب جوزف سرفاتي أحد أعيان اليهود في روما وابن صموئيل سرفاتي (توفي في 1519)، طبيب البابا يوليوس الثاني (1443-1513).
بعد انتهاء إقامته في روما، عاد إلى بافيا مع عدد من المخطوطات الشرقية(2)، بما في ذلك سفر المزامير باللغة السريانية، وكان يخطط لطباعته. وتمكن بصعوبة من نقش أحرف الطباعة وصبها، ويبدو أنه بدأ الطباعة عندما وصلته إلى رافينا حيث كان يحضر مجمعا لرهبانية اللاتران، أنباء نهب بافيا عند استيلاء الجيش الفرنسي عليها في تشرين الأول (أكتوبر) 1527، وفقدان أو تلف مخطوطاته وطباعته.
لكن هذه الخسارة الفادحة لم تُثنِ ألبونيزي عن مواصلة العمل. فبعد سبع سنوات، وجد بالصدفة بالقرب من بافيا، مخطوطته السريانية متضررة جدا لكنها سليمة، بين أوراق تغليف جزار. وبدعم مالي من عمه، عاد إلى الطباعة، وهذه المرة لم ينقش الحروف السريانية فحسب، بل أيضا الحروف الأرمنية. وكان قد تعلم هذه اللغة في البندقية.
كان في ذلك الوقت يعلم اللغات الشرقية في كنيسة القديس يوحنا المعمدان في فيرارا لطلاب من بلدان أوروبية عديدة (إيطاليون وألمان وفرنسيون وإسبان).
دفعه هذا الاكتشاف إلى استئناف كتابة عمله "مقدمة في اللغات الكلدانية، السريانية، الأرمينية، وعشر لغات أخرى" الذي يعد من أقدم الدراسات الغربية في السريانية والأرمنية. ويتضمن الكتاب "كمية هائلة من المعلومات حول اللغة السريانية ونصوص سريانية مطولة" نشرت للمرة الأولى في أوروبا (3).
يحوي كتاب "المقدمة" دراسات حول 38 لغة بينها السامرية والعربية والقبطية والسيريلية والإثيوبية. وقد نشر في 1539 وهو "أقدم كتاب قواعد مطبوع للغتين السريانية والأرمنية" ووصف بأنه "دراسة رائدة" في الأبحاث اللغوية الأوروبية. وهذا الكتاب أرسى أيضا أسس الدراسات الشرقية المؤسسية التي تلت.
صمم ألبونيزي خطوطا محددة لطباعة نصوص الكتاب باللغات العبرية والكلدانية والآرامية والسريانية والإثيوبية والفينيقية والآشورية.
وألبونيزي كان "الشخص الوحيد المعروف الذي تولى إصدار أول نسخة مطبوعة على طابعة متحركة، من القرآن الكريم باللغة العربية" تعرف باسم "مصحف باغانيني" أو "مصحف البندقية" ونُشرت في البندقية بين 1537 و1538.
فقدت النسخ المطبوعة من القرآن لسبب غير معروف إلى أن عثر على واحدة منها في 1987 في أحد أديرة البندقية، مع ملاحظة لألبونيزي تشير إلى أنه كان يملكها وأنه شارك بشكل مباشر في العمل الفكري المرتبط بترجمة النص.
و"قرآن باغانيني" كان مشروعا تجاريا أخفق في تحقيق هدفه. ويرجح أنه كان مخصصا للتصدير إلى الدولة العثمانية، لكن في النهاية اعتبر "معيبا"، مكتوبا بـ"خط غريب" ويتضمن "أخطاء عديدة".(4)
مجمع لاتران الخامس عقد بين 1512 و1517 وكان المجمع المسكوني الثامن عشر للكنيسة الكاثوليكية، وآخر مجمع قبل الإصلاح البروتستانتي. وكانت هذه المرة الأخيرة حتى الآن التي استضاف فيها قصر لاتران في روما. وقد دعا إليه البابا يوليوس الثاني بدافع سياسي يتمثل في استعادة السلام بين الحكام الكاثوليك المتحاربين وإعادة تأكيد سلطة البابا. تبنى المجمع عددا من المراسيم من بينها تحريم طباعة الكتب بدون موافقة الكرسي الرسولي والعمل على محاربة الأتراك لاستعادة الأرض المقدسة على أن يتم تمويل ذلك من زيادة في الضرائب لثلاث سنوات.
كتب ألبونيزي في رسالة حينذاك "أحضرت من روما إلى وطني مجموعة ثمينة من كتب الكلدان والسريان والأرمن والعبرانيين واليونانيين ولغات أخرى، والتي اشتريتها بثمن باهظ جدا".
كان ألبونيزي يأمل أن يكون "مقدمة في اللغات الكلدانية، السريانية، الأرمينية، والعشرية المعروفة باسم اللغات" الذي نشر في آذار (مارس) 1539، أول كتاب مطبوع لأبجديات اللغات الشرقية. لكنه التقى في البندقية في 1537 غيوم بوستيل العائد من القسطنطينية وزوده بمعلومات قيّمة عن اللغات الشرقية وطباعتها. وفي 1538، نشر بوستيل كتابا بعنوان "لغة الاثني عشرية المميزة للأبجدية المختلفة" في باريس مع أن أحرف اللغات طبعت بنقوش وليس بالحروف المتحركة. شعر ألبونيزي يخيبة أمل وانتقد بوستيل لسوء نهجه.
في 1555 كتب بوستيل في رسالة أنه زار بافيا في نيسان (ابريل) لشراء الأحرف السريانية من ألبونيزي. لكن لم يوضح ما إذا كان قد حقق هدفه.
بين 1537 و1538، نشر الناشر وصاحب المطبعة الإيطالي باغانينو باغانيني (1450-1538) وابنه نسخة مطبوعة من القرآن الكريم باللغة العربية. عرفت هذه النسخة باسماء "قرآن باغانيني"، أو "مصحف البندقية"، أو "مخطوطة البندقية"، ويُعتقد أنها أول نسخة كاملة من القرآن الكريم تطبع على طابعة متحركة. كان هذا العمل معدا على الأرجح للتصدير إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تربطها بالبندقية علاقات تجارية واسعة. لكن هذا الهدف لم يتحقق إذ تحدث العديد من المعاصرين عن فقدان النسخة المطبوعة بالكامل. وفي 1987، عثر على نسخة مطبوعة من هذا القرآن الكريم في دير في جزيرة سان ميشيل التابعة للبندقية.