(1936-1857) كريستيان سنوك هورخرونييه
Christian Snouk Hurgronje
Christian Snouk Hurgronje
كريستيان سنوك هورخرونييه (1857-1936) باحث هولندي في الثقافات واللغات الشرقية يعتبر رائدا في دراسة الإسلام وأحد أهم مهندسي الاستعمار الهولندي في آسيا.
وُلد سنوك في مدينة أوسترهوت في جنوب هولندا لعائلة أنجبت عددا كبيرا من المبشرين لأجيال.
درس اللاهوت لسنتين في جامعة لايدن ثم اختار دراسة اللغة العربية والإسلام. وحصل على دكتوراه في 1880 بأطروحته "احتفالات مكة المكرمة". ويبدو أن اهتمامه بالإسلام جاء من جده لأمه يان شارب (1757-1828) الذي كان مبشرا بروتستانتيا ونشر دراسة واسعة عن الإسلام دعا فيها إلى محاربته ونشر المسيحية بين سكان جزر الهند الشرقية الهولندية.
في 1881، عين سنوك هورخرونييه أستاذا في معهد لايدن لموظفي الخدمة المدنية الاستعمارية.
في 1884، اختارته وزارة الخارجية للسفر إلى الإمبراطورية العثمانية في مهمة سرية إلى مكة المكرمة. كان ذلك مرتبطا بانفجار بركان كراكاتاو في إندونيسيا قبل عام، الذي أثار مخاوف السلطات الاستعمارية الهولندية من ثورة بمبادرة من المسلمين. فقد رأى بعض علماء جاوة أن ثوران البركان سببه غضب الله على المسلمين لأنهم سمحوا بأن يحكمهم غرباء بيض كفار، أي الهولنديين. ودعوا إلى قتل الهولنديين لإرضاء الله.
وكانت فكرة يوهان كرويت (1841-1927) القنصل والدبلوماسي الهولندي في جدة، تتلخص بإرسال شخص متخف إلى مكة لمعرفة الخطط التي يعدها أثناء الحج آلاف المسلمين الإندونيسيين. وكانت الحكومة الهولندية تخشى أن يحرضوا السكان الأصليين على مقاومة الحكومة الاستعمارية.
وبوساطة من حاكم جدة العثماني، خضع سنوك الذي كان يتقن اللغة العربية وادعى أنه مسلم، لامتحان أمام وفد من علماء مكة المكرمة في جدة، ونجح فيه. وسمح له بأداء فريضة الحج ليصبح من أوائل العلماء الغربيين في الثقافات الشرقية الذين زاروا مكة.
في كانون الثاني (يناير) 1885 وبعدما أمضى خمسة أشهر في القنصلية الهولندية في جدة، توجه هورخرونييه إلى مكة حيث أقام سبعة أشهر بنى خلالها علاقات وثيقة مع مختلف شرائح المجتمع الإسلامي المحلي. وصادق علماء مكة ومفتيها وشيوخها وسكانها العاديين وشارك في الصلوات وراقب عن كثب أنشطة الحجاج ولا سيما القادمين من آتشيه وجاوة.
قام هورخرونييه بتصوير الكعبة المشرفة ومحيط المسجد الحرام وأجزاء مختلفة من مكة. كما سجّل صوت تلاوة القرآن الكريم. وهذا أول تسجيل معروف لتلاوة القرآن الكريم في التاريخ.
لكن إقامة سنوك في مكة انتهت فجأة بسبب ما نشرته صحف فرنسية وألمانية من أنه لم يكن مسلما ولا عالما، بل تاجر تحف أثرية. وقد اتهمته السفارة الفرنسية بالتورط في مؤامرة لسرقة مسلة تيماء التي يؤكد الفرنسيون أنهم يملكونها.
ترك سنوك كل صوره ودفاتره وتسجيلاته في مكة لكنها أرسلت له في وقت لاحق وهي محفوظة اليوم في جامعة لايدن.
وهذه المجموعة تعد سجلا فريدا لمجتمع مكة المكرمة وعمارتها وحياتها اليومية وممارساتها الدينية.
اعترف سنوك في رسالة إلى صديق في الكلية في 18 شباط (فبراير) 1886 بأنه تظاهر بأنه مسلم. والرسالة محفوظة حتى الآن في مكتبة جامعة هايدلبرغ.
نشر سنوك نتائج عمله في مجلدين باللغة الألمانية بعنوان "مكة" صدرا في 1888 و1889.
في 1888 أصبح عضوا في الأكاديمية الملكية الهولندية للفنون والعلوم.
عين سنوك في 1889، أستاذا للغة الملايو في جامعة لايدن ومستشارا رسميا للحكومة الهولندية للشؤون الاستعمارية. في هذا المنصب لعب دورا كبيرا في صياغة سياسات تهدف إلى الحد من التعليم الإسلامي، ووضع المساجد والزعماء الدينيين تحت سيطرة الدولة، وقمع الحركات الإسلامية. وكانت سياساته واستراتيجياته فعالة في قمع حركات التمرد خلال حرب آتشيه (1873-1914).
كتب سنوك أكثر من 1400 مقال عن الوضع في آتشيه ومكانة الإسلام في جزر الهند الشرقية الهولندية، بالإضافة إلى الخدمة المدنية الاستعمارية والقومية.
بين 1889 و1895 وبصفته مستشارا للحاكم العام للهند الشرقية الهولندية الكولونيل يونيس بينيديكتوس فان هويتس استخدم معرفته بالثقافة الإسلامية لوضع استراتيجيات ساهمت بشكل كبير في سحق مقاومة سكان آتشيه وفرض الحكم الاستعماري الهولندي عليهم. وهذا ما ساهم في إنهاء حرب استمرت أربعين عاما سقط فيها بين خمسين ألفا ومئة ألف قتيل وحوالي مليون جريح.
وكان سنوك صديقًا للمفتي العربي الأكبر في باتافيا، عثمان بن يحيى (1822-1913)، الذي أصدر فتوى لدعم الحرب الهولندية ضد آتشيه.
في 1890 تزوج هورخرونييه ابنة أحد النبلاء الأصليين في سياميس، جاوة الغربية. وردا على الجدل الذي أثاره هذا الزواج في هولندا، قال سنوك إنه "فرصة علمية" لدراسة وتحليل مراسم الزفاف الإسلامية. وُلد من هذا الزواج أربعة أطفال.
بين 1891 و1892 وبعد منعه لسنوات، سافر سنوك الذي كان يجيد اللغات الآتشية والمالية والجاوية، أخيرا إلى آتشيه باسم "الحاج عبد الغفار" وبنى علاقة ثقة مع الجهات الدينية في المنطقة.
في تقريره عن الوضع الديني والسياسي في آتشيه، عارض سنوك بشدة استخدام أساليب الإرهاب العسكري ضد سكان آتشيه ودعا بدلاً من ذلك إلى التجسس بشكل منهجي ومنظم وكسب دعم النخب الأرستقراطية.
لكن العلاقة توترت بين سنوك وفان هويتس الذي لم يرغب في في تطبيق نموذجه المثالي لإدارة أخلاقية ومستنيرة.
شعر هورخرونييه بخيبة أمل من السياسات الاستعمارية وعاد إلى هولندا. وقد ترك زوجتيه وأولاده في إندونيسيا. وكان قد تزوج في 1903، من امرأة أخرى من السكان الأصليين، وأنجب منها ابنا في 1905.
خلال وجوده في جزر الهند الهولندية، نشر عددا كبيرا من الدراسات عن ثقافات إندونيسيا ولغاتها.
بعد عودته إلى هولندا في 1906، عمل سنوك أستاذا في جامعة لايدن للغة العربية و"مؤسسات الإسلام".
في الوقت نفسه واصل إنتاج دراسات أكاديمية وأصبح مرجعا دوليا في جميع المسائل المتعلقة بالعالم العربي والدين الإسلامي. وكانت دول أوروبية أخرى تشاوره في قضايا ملحة. كما تُرجم عدد كبير من أعماله إلى اللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية.
في 1925 عُرض عليه التعليم في الجامعة الوطنية المصرية المرموقة في القاهرة.
في 1927 تخلى عن العمل في جامعة لايدن لكنه بقي مستشارا لشؤون إندونيسيا حتى وفاته في المدينة في 26 حزيران (يونيو) 1936.
ما زال هورخرونييه يثير جدلا بين المؤرخين الذين يرى بعضهم أنه كان جاسوسا ماهرا ومهندسا للسياسة الاستعمارية، بينما يعتبره آخرون باحثا مستشرقا ومحققا.
كما ما زال ادعاؤه اعتناق الإسلام خلال فترة وجوده في مكة موضوع نقاش بين الباحثين والمؤرخين.
مع ذلك، يبقى هورخرونييه أحد أوائل الغربيين الذين قدموا وصفا منظما ودقيقا للمجتمع المكي والحج.
دعا هورخرونييه إلى توسيع الحكم الذاتي لجزر الهند الشرقية عبر التعليم الغربي للنخبة الحاكمة من السكان الأصليين. في 1923 دعا إلى "إصلاح جذري لدستور جزر الهند الشرقية الهولندية" حيث "يجب كسر" مفهوم الدونية الأخلاقية والفكرية للسكان الأصليين، والسماح لهم بإنشاء "هيئات ديموقراطية حرة وتمثيلية". وقد ردت المحافظون في هولندا على هذا الاقترح بتمويل مدرسة بديلة لموظفي الخدمة المدنية الاستعمارية في أوتريخت.
دراسات سنوك هورخرونييه وسياساته الاستعمارية المتعلقة بالإسلام متاحة في أرشيفات وزارة المستعمرات التي يديرها الأرشيف الوطني في لاهاي، وفي الأرشيف الوطني الإندونيسي في جاكرتا والمعهد الملكي لدراسات جنوب شرق آسيا ومنطقة البحر الكاريبي في لايدن، وفي مكتبة جامعة لايدن.
بعض الصور الفوتوغرافية التي التقطها هورخرونييه تُشكل الآن جزءا من مجموعة خليلي للحج وفنون الحج.
اتهم هورخرونييه باغتيال المستشرق والرحالة الفرنسي شارل هوبر، واضطر لمغادرة الحجاز في 19 أيلول (سبتمبر) 1855. وكانت القضية تتعلق بسرقة حجر أثري يحمل نقوشا آرامية. وقد نشرت السفارة الفرنسية شائعات تفيد بأنه سارق آثار قديمة وليس مسلما حقيقيا. هذه الاتهامات، التي ظهرت قبيل بدء موسم الحج، دفعت السلطات العثمانية إلى إصدار أمر بترحيله فورا.
أحجار تيماء هي حجارة تحمل نقوشا آرامية يعود تاريخ بعضها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد وعُثر على أول أربعة منها منها في تيماء بشمال السعودية في 1878 وعرضت تدريجيا بين 1884 و1987. يُعرف أكبر هذه النقوش باسم "حجر تيماء"، وهو منحوت من الحجر الجيري طوله 110 سنتمترات وعرضه 43 سنتمترا وسمكه 12 سنتمترا. وهو يزن 150 كيلوغراما ويحمل 23 سطرا من نقوش باللغة الآرامية. وهو معروض حاليا في متحف اللوفر.