(1552-1488) سيباستيان مونستر
Sebastian Munster
Sebastian Munster
سيباستيان مونستر (1488-1552) عالم موسوعي ألماني لعب دورا كبيرا في الدراسات الشرقية في عصر النهضة في أوروبا وقدّم مساهمات كبيرة في الدراسة المنهجية للغات العبرية والآرامية والسريانية والأرمنية، وكان أحد أهم رسامي الخرائط من أعماله خرائط مرفقة بوصف للشرق كان لها تأثير كبير على النظرة الغربية إلى هذه المنطقة.
ولد مونستر في 20 كانون الثاني (يناير) 1488 في إنغلهايم بالقرب من ماينتس في ألمانيا، لعائلة من المزارعين من الطبقة الوسطى العليا تولت رعاية مستشفى وكنيسة. وكان مسيحيا كاثوليكيا انضم في حياته المبكرة إلى رهبانية الفرنسيسكان في هايدلبرغ.
تلقى تعليمه الرسمي في جامعة توبينغن حيث درس على يد عالم الرياضيات والفلك والمنجم الألماني يوهانس شتوفلر (1452-1531). وفي 1505 انضم إلى رهبانية الفرنسيسكان.
في 1511 سيم مونستر كاهنا. وبين 1515 و1518 عمل محاضرا في الفلسفة في دير توبينغن للفرنسيسكان وكان في الوقت نفسه يدرس الرياضيات.
في 1518 انتقل إلى دير بارفوسر في بازل حيث تعرف على الفكر اللوثري. واعتبارا من 1521، عمل محاضرا لدى الفرنسيسكان في هايدلبرغ ونشر سلسلة من الدراسات عن اللغتين العبرية والآرامية.
اعتنق اللوثرية وانتقل في 1529 من رهبانية الفرنسيسكان إلى تعليم اللغة العبرية في جامعة بازل، المدينة التي أصبحت مركزا مهما لحركة لإصلاح البروتستانتية. وقد بقي فيها حتى وفاته بالطاعون في 1552.
كان مونستر أحد أكثر رسامي الخرائط تأثيرا في القرن السادس عشر ونشر كتابيه "جغرافيا" و"كوسموغرافيا يونيفرساليس" (الكونيات العالمية) اللذين يتضمنان خريطة دقيقة للعالم إلى جانب تفاصيل جغرافية عن جميع أنحاء أوروبا. وقد أصبحا من أكثر الكتب مبيعا، وأحدثا تغييرا جذريا في كيفية إدراك قراء القرن السادس عشر للعالم المادي.
أما تصويره الجغرافي للشرق، فقد كان يستند إلى ملاحظة مباشرة محدودة للمنطقة لكنه ساهم مع ذلك إلى حد كبير في تشكيل تصور للشرق ترسخ في العقلية الأوروبية الجماعية. وخرائطه للشرق لم تكن دقيقة بالمعايير الحديثة، لكنها قدمت نظرة عامة مفصلة وسهلة نسبيا للمنطقة.
ويعد كتابه "الكوسموغرافيا" موسوعة شاملة للمعلومات عن مناطق العالم المعروفة والمجهولة. وقد تضمن رسوما توضيحية لأنماط الحياة المعاصرة ومشاهد ومخططاتٍ تفصيليةٍ للمدن، وصورا بانورامية، وخرائط عديدة شملت "جزرا جديدة خلف إسبانيا، تمتد شرقا حتى جزر الهند" (أميركا والقارة الآسيوية).
وتبدو خرائط لآسيا متقدمة بشكل واضح على الرسوم الأوروبية السابقة التي استندت بشكلٍ شبه كاملٍ على أعمال بطليموس. فقد رسمت خطوطا ساحلية أوضح للصين، وصوّرت شبه القارة الهندية كشبه جزيرة واحدة، مصححةً بذلك أخطاء سابقة.
أما خرائط الشرق الأوسط فقد ركزت على المشاهد البدوية في في صحراء شبه الجزيرة العربية ورسخت لدى القراء الأوروبيين رؤية للمراكز الحضرية "الشرقية" البعيدة. وكان للمعلومات الجغرافية والإثنوغرافية التي أوردها عن "الشرق" تأثير عميق على الخيال الشعبي الأوروبي وتصوراته للثقافات غير الأوروبية.
وبلا شك، أرسى هذا الكتاب الذي كان من أكثر الأعمال قراءة وشعبية في القرن السادس عشر واحتل المرتبة الثانية بعد الكتاب المقدس، بعض الأسس الثقافية لكيفية تصور "الشرق" والتفاعل معه في القرون اللاحقة. وقد أصبح مرجعا في الجغرافيا والتاريخ حينذاك.
وبشكل عام خلق إنسانيو عصر النهضة المتأثرون بالمؤلفين الكلاسيكيين، صورة للشرق "نجحت وازدهرت، دون تغيير كبير، حتى عصرنا هذا" (1). ومن هؤلاء مونستر الذي لعب، من خلال جعل الشرق في متناول الجماهير بالصورة والنص، دورا مهما في تشكيل هذا التصور الثقافي الطويل الأمد، وإن ساهم عن غير قصد في تعزيز فكرة "الآخر" التي هيمنت على الاستشراق لاحقا.
وابتكارات مونستر في رسم الخرائط ولا سيما إدخال خرائط منفصلة للقارات، أحدثت تحولا هائلا في رسم خرائط العالم التي كانت تحت تأثير المعتقدات الدينية في القرون الوسطى. وقد أنتج 142 خريطة مختلفة لمناطق العالم.
لعب مونستر دورا كبيرا أيضا كباحث مسيحي في اللغة العبرية التي بدأ دراستها في في هايدلبرغ أولا ثم في بازل من أجل فهم أعمق للنصوص المقدسة. وكان من أوائل الإنسانيين الناطقين باللغة الألمانية الذين أولوا اهتماما كبيرا لهذه اللغة.
لكنه وسع دائرة اهتماماته في وقت لاحق لتشمل عدد كبير من اللغات الشرقية الأخرى. وقد ساهم إنتاجه الغزير في الدراسات اللغوية في ترسيخ مكانته كباحث مهم في الدراسات الشرقية.
لكن اهتمام مونستر بالشرق لم يكن نابعا من أفكار استعمارية وتصوير نمطي بل مرتبط بالدراسات الأكاديمية العلمية واللاهوتية. وكان اهتمامه العميق بالعبرية مرتبطا بخلفيته الدينية وبسعيه إلى فهم أعمق للنصوص المقدسة.
من مؤلفاته طبعة للكتاب المقدس العبري مع ترجمة لاتينية وشروح مستفيضة، صدر في مجلدين كبيرين في بازل (1534-1535)، وقاموس "اللغات الثلاث" اليونانية واللاتينية والعبرية (1530)، و"مقدمة في اللغة الكلدية" الذي ساهم في إرساء أسس فقه اللغة المقارن الناشئ.
ومن أعماله الأخرى "وصف ألمانيا" (1530) و"العالم الجديد" (1532) و"خريطة أوروبا" (1536).
ترجم مونستر طبعة بطليموس من كتاب الجغرافيا إلى اللاتينية، وضمنها حوالي أربعين خريطة. وكان لهذه الطبعة تأثير كبير على جغرافيا عصره.
كان مونستر من أهم شخصيات الحركة العبرية المسيحية التي ضمت عددا من علماء الكتاب المقدس واللاهوت الذين سعوا إلى تفسير العهد القديم المسيحي بدقة أكبر عبر الدراسات اليهودية والنصوص العبرية الأصلية. لكنه كان يريد أيضا التوصل إلى إقناع اليهود باعتناق المسيحية وفي هذا الإطار، ترجم العهد الجديد إلى العبرية.
(1) "استشراق النهضة"، ماريانا بيرنبوم، مجلة المعهد الأوكراني للدراسات في جامعة هارفرد، العدد 28
خرائط قديمة للشرق الأوسط لعدد من رسامي الخرائط بينهم سيباستيان مونستر
شكل تعاون سيباستيان مونستر مع عالم النحو العبري اليهودي إلياس ليفيتا، الذي ترجم مونستر أعماله وعدّلها لتناسب الطلاب المسيحيين، مرحلة فريدة من التعاون والتبادل الفكري بين العلماء اليهود والمسيحيين خلال عصر النهضة. وقد سمح له هذا الجهد الجماعي بجمع المعلومات من مصادر جغرافية ولغوية مختلفة.