(1680-1601) أثناسيوس كيرشر
Athanasius KIRCHER
Athanasius KIRCHER
أثناسيوس كيرشر (1601-1680) عالم موسوعي وفيلسوف يسوعي ألماني ادعى فك رموز الكتابة الهيروغليفية وأثبت وجود صلة بين اللغتين المصرية القديمة والقبطية، لذلك يعتبره باحثون "المؤسس الحقيقي لعلم المصريات".
وُلد كيرشر في مدينة غايسا الألمانية عام 1602 أو 1601، حسب بعض المصادر. ويبدو أنه هو نفسه لم يكن يعرف سنة ولادته.
تلقى تعليمه في الكلية اليسوعية في فولدا حيث برزت مواهبه الاستثنائية في الرياضيات والعلوم الطبيعية واللغات القديمة.
انضم إلى الرهبنة اليسوعية في 1618، ورسم كاهنا في 1628.
في بداية حياته المهنية، عمل في التدريس في عدد من الكليات اليسوعية. لكن اضطرابات حرب الثلاثين عاما أجبرته في النهاية على الفرار من ألمانيا. وفي 1633، قبل منصب أستاذ في أفينيون بفرنسا حيث درّس الرياضيات والسريانية والعبرية.
وفي 1634 دعي إلى روما حيث أمضى ما تبقى من حياته في التدريس والبحث في الكلية الرومانية، المؤسسة الأكاديمية الرئيسية لليسوعيين.
بدأ كيرشر يهتم بعلم المصريات في 1628 عندما أثارت مجموعة من النقوش الهيروغليفية في مكتبة فضوله.
وقد أكد أنه فك رموز الكتابة الهيروغليفية.
وأهم عمل له في هذا المجال كتابه " أوديب المصري" (Odipus Aegypticus) (1954-1652).
في هذا الكتاب، قال كيرشر إن "اللغة المصرية القديمة كانت اللغة التي تكلم بها آدم وحواء"، وإن النقوش الهيروغليفية هي رموز غامضة "لا يمكن ترجمتها بالكلمات، بل يُعبَّر عنها فقط بالعلامات والحروف والأرقام".
والكتابة الهيروغليفية، كما ورد في كتابه الآخر "لغة مصر المستعادة" (1643)، هي "لغة غير معروفة حتى الآن في أوروبا، تضاهي الصور فيها الحروف، والألغاز الأصوات".
رأى كيرشر أن هذه الكتابة تمثل مفاهيم فلسفية وليست لغة صوتية. فقد رأى مثلا أن رمز خرطوشة الذي يعني ببساطة "امبراطور"، هو رسالة إلهية مطولة حول طبيعة الروح.
نشر الكتابان قبل اكتشاف حجر الرشيد في القرن التاسع عشر، عندما كان الباحثون الغربيون يقفون حائرين أمام الكتابة الهيروغليفية المصرية. لكن مع فك رموز حجر الرشيد في القرن التاسع عشر، تبين أن تفسيرات كيرشر خاطئة.
مع ذلك وصفه بعض المؤرخين بأنه رائد الدراسة الجادة للهيروغليفية، وساهم في تمهيد الطريق إلى علم المصريات كمجال جاد للدراسة، خصوصا لأنه أنجز عمله "قبل أن تصبح الهيروغليفية المصرية مفهومة للعلماء بعد اكتشاف حجر الرشيد".
بين 1650 و1654، نشر كيرشر أربعة مجلدات من "ترجمات" الكتابات الهيروغليفية.
كان كيرشر أول من أدرك أن اللغة القبطية هي امتداد مباشر للغة المصرية القديمة. فقد تعلم القبطية في 1633، وكان أول باحث يشير إلى أنها آخر بقايا اللغة المصرية القديمة المنطوقة والمرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة.
وقد استعان بمخطوطات لعلماء ومؤرخين عرب في العصور الوسطى لدراسة قواعد اللغة القبطية.
وبعد دراسة مخطوطات قبطية جلبها الرحال الإيطالي بيترو ديلا فالي (1586-1652) إلى روما، ألف كيرشر كتابي "الرائد في القبطية أو المصرية" (Prodromus Coptus sive Aegyptiacus) (1636) الذي يعد أول عمل يتناول قواعد هذه اللغة، و"لغة مصر المستعادة" (Lingua Aegyptiaca Restituta) (1643).
تضمن الكتابان قواعد ومفردات شكلت جسرا لغويا أساسيا استخدمه عالم اللغات والمستشرق جان فرنسوا شامبليون (1790-1832) بعد قرنين تقريباً لفك رموز الكتابة الهيروغليفية. ولولا حفظ كيرشر للغة القبطية وتحليله لها، لما نجح شامبليون في فك الرموز في ذلك الوقت.
ألف كيرشر كتبا أخرى عن مصر: "المسلات المصرية: تفسير الكتابة الهيروغليفية" (Obelisci Aegyptiaci interpretatio hieroglyphica) (1666) و "المسلات المصرية" (Obelisci Aegyptiaci) (1676)، و"أبو الهول معلم الألغاز" (Sphinx mystagoga) (1676).
في روما، أسس كيرشر ما عرف ب"متحف كيرشريانوم" في الكلية الرومانية، وهو خزانة ضخمة من التحف والنوادر المرتبطة في الجزء الأكبر منها بدراساته الاستشراقية.
ضم هذا "المتحف" مسلات مصرية ومخطوطات صينية وحيوانات محنطة غريبة، واختراعات ميكانيكية.
وقد أصبح مركز أبحاث عرضت فيه قطع أثرية مادية من الشرق أثرت على تصور النخبة الفكرية الأوروبية للثقافات الشرقية.
في إطار دراساته اللغوية، ألف كيرشر كتاب "برج بابل" (Turris Babel) (1679) ، وهو أطروحة في أصول اللغات والثقافات، تعكس اهتماما عميقا بالأديان المقارنة والتاريخ العالمي. وعنوانه الكامل هو "برج بابل، علم الآثار الذي يتم فيه أولا وصف وشرح حياة الإنسان القديم بعد الطوفان، وعاداته، وعظمة أعماله، وثانيا بناء البرج وبناء المدن، واختلاط اللغات، والهجرة اللاحقة للأمم، إلى جانب تاريخ اللهجات الرئيسية التي نشأت من ذلك، في علم متعدد الجوانب".
كان كيرشر معجبا أيضا بالثقافة الصينية وكتب موسوعة عن الصين بعنوان "الصين المصورة"، اعتمد فيها على تقارير كتبها مبشرون يسوعيون معاصرون له. والكتاب الذي نشر في 1667، عمل رائد شكل صورة الشرق الأقصى في عصر التنوير الأوروبي.
وقد رأى أن الصينيين هم من نسل حام (ابن نوح)، وأن كونفوشيوس قد حفظ عناصر من الوحي التوراتي الحقيقي. كما حاول إثبات أن الأحرف الصينية هي شكلٌ "مُحرّف" من الهيروغليفية المصرية، ووضع جداول مُفصلة تُقارن بين نظامي الكتابة.
هذه النظرية لا أساس لها من الصحة، لكنها شجعت على دراسة الثقافة الصينية جديا في في أوروبا، ونقلتها من عالم الغرابة إلى مجال البحث الأكاديمي الجاد.
نشر كيرشر أيضا أكثر من أربعين عملا مهما في مجالات مختلفة، من علوم الجيولوجيا والبراكين والصوت والبصريات إلى الأديان المقارنة.
وبعد أن شهد ثوران بركان إتنا ونزل إلى فوهة بركان فيزوف، رأى أن الأرض تحتوي على شبكة جوفية هائلة من النار، ونشر نظرياته في كتابه "العالم الجوفي" (1664-1665).
كما استكشف كيرشر علم الصوتيات والموسيقى، فاخترع القيثارة الإيولية ونشر كتاب "موسورجيا يونيفرساليس" (1650)، وهو عمل شامل في نظرية الموسيقى وعلم الصوت.
تعمّق كيرشر في الطب، وكان من أوائل الباحثين الذين درسوا الكائنات الدقيقة بالمجهر وتأمل في دورها في الأمراض. وكان سابقا لعصره في تصوره أن الطاعون ناجم عن كائن حي دقيق معد، وفي اقتراح تدابير فعالة لمنع انتشاره. ونشر نتائج عمله في كتابه "سكروتينيوم فيزيكو-ميديكوم" (1658).
صمّم كيرشر العديد من الاختراعات الميكانيكية، بما في ذلك ساعة مغناطيسية ومكبر للصوت وآلات ذاتية الحركة. وقد نظم عرضا للألعاب النارية في مدينة هيلينغشتات بمناسبة زيارة لرئيس أساقفة ماينز.
توفي أثناسيوس كيرشر في روما في 1680.
وصف كيرشر بأنه "آخر رجل يعرف كل شيء" و"عملاق بين علماء القرن السابع عشر"، و"أحد آخر المفكرين الذين ادّعوا بحقّ امتلاك المعرفة".
فقد وضع أسس دراسة اللغة القبطية، ونشر علم الصينيات، وأطلق علم المصريات.
وعلى الرغم من الأخطاء التي شابت الكثير من أبحاثه العلمية النظرية، يكمن إرثه في سعيه الدؤوب للمعرفة، وروحه الريادية في مجالات متعددة، وقدرته الفريدة على مزج كميات هائلة من المعلومات. وقد ألهم أجيالا من العلماء وجسد عصرا كانت فيه الحدود بين العلم والفلسفة والفن غير واضحة، ولم يكن لفضول الإنسان فيه حدود.
ولا يزال عمله شاهدا على الحراك الفكري الذي شهده القرن السابع عشر.
وهو يوصف اليوم بأنه شخصية "انتقالية" وضعت قدما في عالم عصر النهضة السحري والغامض، والأخرى في العالم التجريبي للثورة العلمية.
الرهبنة اليسوعية: أو جمعية يسوع رهبنة كاثوليكية أسسها القديس إغناطيوس دي لويولا في 1534 واعتمدها البابا في 1540. ركزت منذ نشأتها على على التعليم والتبشير والبحث العلمي والدفاع عن الكنيسة الكاثوليكية، ويُلقب أعضاؤها بـ "جنود البابا" بسبب نذر الطاعة الخاص له. أسست ععدا من أرقى المدارس والجامعات في العالم ولعبت دوراً محورياً في نقل العلوم الغربية إلى الشرق. وقد جاء منها عددا من كبار المستشرقين.
حرب الثلاثين عاماً (1618–1648) كانت واحدا من أطول وأعنف الصراعات في التاريخ الأوروبي. بدأت كنزاع ديني في قلب الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا حالياً) ثم تحولت إلى حرب سياسية طاحنة شملت معظم القوى العظمى بدأت بتمرد البروتستانت في "بوهيميا" ضد الإمبراطور الكاثوليكي، ثم توسعت بدخول دول مثل فرنسا (الكاثوليكية) إلى جانب البروتستانت (السويد وهولندا). لكن ألمانيا كانت "الميدان" الرئيسي وفقدت بعض مناطقها ثلث سكانها بسبب المعارك والمجاعات والأوبئة. انتهت الحرب بتوقيع معاهدة صلح فيستفاليا (1648) التي وضعت أسس "الدولة القومية الحديثة" وأقرت مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ومنحت الحريات الدينية للبروتستانت. خلال هذه الحرب، فرَّ العديد من العلماء والمفكرين من ألمانيا ولا سيما إلى هولندا، مما ساعد في ازدهار جامعة لايدن كمركز للدراسات العربية، بعدما لجأ إليها هؤلاء.
"المستشرقون"، نجيب العقيقي
Athanasisus Kircher, a Renaissance Man and the Quest for lost knowledge", Joscelyn Godwin