(1652-1602) جون غريفز
John Greaves
John Greaves
جون غريفز (1602-1652) عالم رياضيات وفلك انكليزي، ومستشرق درس اللغات الشرقية كوسيلة للوصول إلى بيانات علمية قديمة، خلافا لمعظم معاصريه الذين درسوا تلك اللغات العربية لأسباب دينية.
وُلد غريفز في كولمور في هامبشير في 1602. كان والده، جون غريفز، مدير مدرسة لأبناء طبقة النبلاء في المنطقة. وفيها بدأ الابن تعليمه.
واصل دراسته بعد ذلك في كلية باليول في أكسفورد، ثم أصبح زميلا في كلية ميرتون. كما درس غريفز اللغتين العربية والفارسية.
أظهر جون غريفز براعة في الرياضيات والفلك لفتت انتباه علماء وشخصيات بينها كبير أساقفة كانتربري وليام لود (1633-1645)، الذي لعب دورا كبيرا في في تعزيز الدراسات الشرقية وحرص على إصدار طبعات مترجمة إلى الإنكليزية لمؤلفين يونانيين وعرب.
في بداية مسيرته المهنية، درس غريفز بعمق الرصد الفلكي والأوزان والمقاييس القديمة.
في 1630، عُيّن أستاذ الهندسة في كلية غريشام بلندن، وهو منصب رفيع أتاح له الوصول إلى دوائر علمية وموارد أوسع.
إلا أن فضوله لم يقتصر على المعارف الأوروبية.
فقد كان يريد التحقق من الحسابات الفلكية والجغرافية القديمة، ويرى أن علماء الفلك العرب والمعماريين المصريين القدماء يمتلكون بيانات دقيقة يمكنها تصحيح أخطاء العلوم الغربية.
وبما أن عددا كبيرا من المخطوطات العربية تتناول هذا المجال، انطلق في رحلة طموحة إلى الشرق في 1637.
زار غريفز خلال رحلته الأستانة ومصر ورودس.
في الأستانة، جمع مجموعة كبيرة من المخطوطات اليونانية والعربية والفارسية تتعلق خصوصا بعلمي الفلك والرياضيات. من هذه المخطوطات نسخة من كتاب المجسطي لبطليموس، قال إنها "أجمل عمل رأيته في حياتي". وقد انتهى به الأمر بامتلاك نسختين من هذا الكتاب.
بعد ذلك توجه إلى مصر في 1638. هناك، قام بقياس الهرم الأكبر في الجيزة بدقة، مستخدما أدوات دقيقة وطرقا منهجية منظمة. وقد قدّم بذلك غريفز أول قياسات علمية حقيقية للأهرامات.
تسلق غريفز الهرم الأكبر وقاس بمسطرة أبعاد الكتل، وزاوية الصعود، والحجرة الداخلية. كان هاجسه الأكبر هو إيجاد "معيار قياس" ثابت، معتقدا أن القدماء استخدموا وحدة قياس متسقة ضاعت مع مرور الزمن.
وقد ذكر في كتابه "مقال عن (مقياس) القدم الروماني" (1647)، أنه كان يأمل عبر قياس الهرم الأكبر ومنشآت رومانية قديمة، في التوصل إلى الطول الدقيق لمقياسي القدم والذراع القديمين.
في 1646، نشر أهم عمل له "كتاب الأهرامات أو وصف الأهرامات في مصر" (Pyramidographia or a Description of the Pyramids in Egypt). ويُعتبر هذا الكتاب، بلا منازع، أول مسح علمي لهضبة الجيزة، ويتضمن سردا مفصلا لقياساته وملاحظاته.
وقد سعى إلى ابتكار معيار عالمي للأوزان والمقاييس لا يتغير، مستخدما العمارة القديمة كنقطة مرجعية.
في وقت لاحق اعتمد العالم إسحق نيوتن بشكل كبير على قياسات غريفز للجزء الداخلي من الهرم لدعم نظرياته الخاصة بالجاذبية والتسلسل الزمني التوراتي.
حمل غريفز معه في رحلته أدوات ضخمة (السدسيات والربعيات) لقياس خطوط عرض المدن الشرقية بنفسه، بهدف تصحيح الإحداثيات الجغرافية الواردة في كتاب بطليموس "الجغرافيا" والجداول العربية.
في مصر زار الإسكندرية أيضا ونجح في جمع نصوص بالغة الأهمية، بينها الجداول الفلكية لأولوغ بك، سلطان تيمور وعالم الفلك، ومؤلفات العالم نصير الدين الطوسي (1201-1274).
عند عودته إلى إنكلترا في 1640، عُين غريفز أستاذا لعلم الفلك في جامعة أكسفورد، وكرّس نفسه لترجمة ونشر ثمار رحلته إلى الشرق.
لكن مسيرته المهنية لم تكن في منأى عن الاضطرابات السياسية المرتبطة بالحرب الأهلية الإنكليزية. فقد أدت ميوله الملكية إلى طرده من منصبه كأستاذ في جامعة أكسفورد في 1648.
أمضى غريفز سنواته الأخيرة في لندن حيث عمل على نشر أبحاثه. وقد نشر في 1650 كتاب "عناصر اللغة الفارسية" (Elementa Linguae Persicae)، وهو من أوائل كتب قواعد اللغة الفارسية في أوروبا.
وكان لهذا العمل أهمية كبيرا لأنه وسع مجال الدراسات الشرقية التي كانت تركز على اللغات السامية ليشمل اللغة الفارسية التي كان يرى أنها لغة الثقافة والعلوم الراقية.
توفي جون غريفز في لندن في 1652، ونقلت مجموعته الهائلة من المخطوطات إلى مكتبة بودليان في أكسفورد.
يوصف غريفز بأنه أحد رواد "الاستشراق الميداني" إذ نقل هذا المجال من المكتبة إلى المواقع الجغرافية في الشرق. وقد أثبت أن الدراسات الشرقية يمكن أن تخدم "العلوم الدقيقة" كعلم الفلك والهندسة، بدلا من أن تقتصر على اللاهوت أو التاريخ.
فتحت ترجمات غريفز آفاقا جديدة لفهم الإسهامات الفكرية للعالم الإسلامي.
وليام لود (1573-1645) رئيس أساقفة كانتربري من 1633 إلى 1645 . كان من أقوى الشخصيات السياسية والدينية في عهد الملك تشارلز الأول، يؤمن ب"الحق الإلهي للملوك" مما أثار غضب البرلمان. وقد أدخل تغييرات على الكنيسة الأنغليكانية عُرفت بـ"اللودية" وهذا ما اعتبره البروتستانت المتشددون عودة مستترة للكاثوليكية. اتسم عهده بالتشدد في قمع المعارضين الدينيين، مما دفع الكثيرين منهم للهجرة إلى أميركا. أدت سياساته إلى تأجيج الحرب الأهلية الإنكليزية. اتهمه البرلمان بالخيانة العظمى وأعدم بقطع الرأس في 1645. لكن لود كان واحدا من أهم رعاة ومشجعي الدراسات الشرقية في تاريخ انكلترا. فقد أسس في 1636 "كرسي لود للأستاذية في اللغة العربية" (Laudian Chair of Arabic) المستمر حتى اليوم في جامعة أكسفورد، ووهب مكتبة "بودليان في أكسفورد أكثر من 1300 مخطوطة بلغات شرقية مختلفة (عربية، عبرية، فارسية، وسريانية)، حصل عليها عبر شبكة من الدبلوماسيين والتجار في الشرق الأدنى. وكان يؤمن أن دراسة اللغات الشرقية، ولا سيما العربية، ضرورية لفهم النصوص الدينية القديمة والعلوم. لكن اهتمامه هذا لم يكن محض أكاديمي. فقد اعتقد قد أن التقارب مع الكنائس الشرقية ودراسة نصوصها قد يعزز موقف الكنيسة الأنغليكانية ضد الكاثوليكية من جهة والمتشددين من جهة أخرى.
أستاذ الهندسة في غريشام (Gresham Professor of Geometry) كرسي أكاديمي عريق في كلية غريشام في لندن، هو الأقدم في بريطانيا. هدف الكرسي تقديم محاضرات تعليمية مجانية للجمهور العام، وهو الهدف نفسه الذي تأسست من أجله الكلية في 1597 بناءً على وصية السير توماس غريشام. وقد أحدث قبل كرسي "سافيليان" في أكسفورد بـ23 عاما، وقبل كرسي "لوكاسيان" في كامبريدج ب67 عاما.
الحروب الأهلية الإنكليزية (1642–1651) هي سلسلة من النزاعات المسلحة والصراعات السياسية التي دارت بين أنصار الملكية (الفرسان) وأنصار البرلمان (الرؤوس المستديرة) حول أسلوب حكم إنكلترا. اندلعت بسبب صراع على السلطة بين الملك تشارلز الأول، الذي آمن بالحق الإلهي للملوك، وبين البرلمان الذي طالب بصلاحيات أوسع ورقابة على الضرائب والجيش. وهذا النزاع جرى في أوج توتر حاد بين الكنيسة الأنغليكانية الرسمية المدعومة من الملك، والمتطهرين (البروتستانت المتشددين) الذين أرادوا إصلاحاً جذريا والتخلص من الطقوس الكاثوليكية. انتهت هذا المعارك بانتصار البرلمان بقيادة أوليفر كرومويل، وإعدام الملك تشارلز الأول في 1649 بتهمة الخيانة، وهي سابقة في التاريخ. ألغيت الملكية مؤقتا وإعلنت انكلترا "جمهورية". أعيدت الملكية في 1660.
الجداول السلطانية لأولوغ بيك هي أدق وأشمل جداول فلكية وضعت في العالم منذ عهد بطليموس، بقيت مرجعا أساسيا للشرق والغرب حتى عصر النهضة. الجداول وضعها عالم الفلك أولوغ بيك في 1437. وقد رصدت مواقع 1018 نجماً بدقة غير مسبوقة، من "مرصد سمرقند" باستخدام آلات رصد ضخمة. اكتشف أولوغ بيك (1394-1449) وفريقه أخطاء في حسابات الفلكيين السابقين (مثل الصوفي وبطليموس). وتضمنت الجداول حسابات دقيقة للجيب والظل (Trigonometry) لكل درجة ودقيقة قوسية، وهو ما مهد الطريق لتطور علم المثلثات. تُرجمت هذه الجداول إلى اللاتينية ونُشرت في أوروبا، وخصوصا في أكسفورد في 1665، واستعان بها كبار العلماء في العصر الحديث.
نصيرالدين الطوسي (1201–1274) هو أحد أعظم العلماء الموسوعيين في العصر الإسلامي، لُقب ب"أستاذ البشر" و"المحقق الطوسي". أقنع هولاكو ببناء أرقى مرصد في زمانه بإيران، وجمع فيه نخبة من علماء العالم وضعت حداول فلكية بالغة الدقة تسمى "الزيج الإيلخاني". وهو أول من جعل علم المثلثات فرعاً مستقلا عن الفلك، وابتكر "مزدوجة الطوسي" التي كانت حجر الزاوية في التمهيد لنظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس. يُنسب إليه الفضل في حماية آلاف المخطوطات والعلماء من الضياع أثناء الغزو المغولي لبغداد والمناطق المجاورة.
"المستشرقون"، نجيب العقيقي
"قاموس السير الوطني" (Dictionary of National Biography)