(1677-1613) كريستيان رافيس
Christian Ravis, Christianus Ravius, Christian Raue
Christian Ravis, Christianus Ravius, Christian Raue
كريستيان رافيس أو كريستيانوس رافيوس باللاتينية (1613 -1677) مستشرق ولاهوتي ألماني زار بلاد الشام لجمع مخطوطات ونشر كتابا عن قواعد للغات السامية في 1648، أثار جدلا حول مدى إلمامه بهذه اللغات.
وُلد رافيس في برلين وكان والده جون راو، شماس كنيسة نيكولاي. تلقى تعليمه في مدرسة برلين الثانوية التابعة لدير غراوين، قبل أن يلتحق بجامعة فيتنبرغ في 1630 لدراسة اللاهوت واللغات الشرقية.
في 1636، حصل على درجة الماجستير وبدأ على الفور رحلات في شمال أوروبا، زار خلالها ستوكهولم وأوبسالا وكوبنهاغن ولايدن وأمستردام. وقد تمكن من بناء شبكة من الرعاة والباحثين الذين دعموا عمله خلال تنقله طوال حياته.
في 1638، انتقل رافيس إلى إنكلترا حيث أقام في أكسفورد. وقد أصبح رئيس الأساقفة جيمس آشر (1581-1656) من أوائل رعاته، ومنحه مخصصات سنوية لتمويل رحلة مقترحة إلى بلاد الشام بحثا عن مخطوطات.
وبدعم من شخصيات مثل صموئيل هارتليب وتشجيع من علماء مثل المستشرقين إدوارد بوكوك وجون سيلدن أيضا، سافر رافيس إلى إزمير واسطنبول حيث أقام من 1639 إلى 1641، مع قناصل أوروبيين وعائلات أعضاء سفارات، وجمع مجموعة كبيرة من المخطوطات الشرقية.
جمع رافيس كنزا ثمينا من المخطوطات الشرقية من بينها أعمال نادرة تتعلق بعلمي الفلك والرياضيات. لكن رافيس لم يجمع هذه المخطوطات التي بلغ عددها أكثر من 300، لجامعة محددة، بل للتجارة. وقد توزعت هذه المخطوطات النادرة لاحقا في مكتبات جامعات في السويد وألمانيا وهولندا.
من جهة أخرى، أقام رافيس خارج الحي الدبلوماسي الأوروبي (بيرا). فقد سكن في قلب المدينة ليتعمق في اللغتين التركية والعربية، مكتسبا طلاقة نادرة حتى بين التراجمة.
وأثناء وجوده في الشرق، بدأ مراسلات مع رئيس الأساقفة آشر الذي دفع له الأموال للبحث عن نصوص سريانية وسامرية محددة لدعم نظرياته.
وقد عززت كل هذه المقتنيات وخبرته المباشرة في العالم العثماني سمعته كجامع خبير للموارد النصية للدراسات الأوروبية.
عاد رافيس إلى لندن في 1642 مع اندلاع الحرب الأهلية لكنه تمكن من مواصلة عمله.
في 1648، نشر أهم كتاب له هو "قواعد عامة للغات العبرية والسامرية والكلدانية والسريانية والعربية والإثيوبية" (لندن، 1648).
يرتدي هذا العمل أهمية كبيرة لسببين، أولهما أنه من أوائل الكتب التي تضمنت قواعد اللغة العبرية مطبوعة باللغة الإنكليزية. أما السبب الثاني فهو طرحه فكرة غير تقليدية مفادها أن هذه اللغات الست ليست سوى لهجات للغة واحدة.
في الوقت نفسه، تمكن رافيس من إقناع البرلمان ومدينة لندن بتمويل تدريس اللغات الشرقية لأهميتها في التجارة وفهم الكتاب المقدس. وقد حاول اتباع منهج يسمح للطلاب بتعلم هذه اللغات خلال أشهر عبر استخدام نظام توافقي موحد.
عين رافيس زميلا في كلية ماغدالين، أكسفورد، من قبل البرلمان الذين قام بتطهير الكلية من الملكيين. لكنه غادر هذا المنصب بسرعة لأنه لم يتمكن من الحصول على تمويل لمشروعه "الوئام العالمي"، أو مشروع تعزيز اللغات الشرقية (Concordia Orientalis) بسرعة.
كان مشروع رافيس هذا يهدف إلى كسر الانقسام الثقافي بين أوروبا والشرق، ودمج الثقافة والعلوم الشرقية في العلوم الأوروبية، وجعل دراسة اللغات الشرقية (العربية والتركية والفارسية والعبرية والسريانية...) أكثر من أداة لاهوتية. وقد اعتبر أن الجهل بهذه اللغات يشكل عائقا أمام التقديم المعرفي للبشر.
ومن أجل فهم العلوم التي برع فيها المسلمون، دعا إلى تعلم العربية التي رأى أنها ليست لغة "دين مخالف" بل "مفتاح" للعلوم التي ضاعت في أوروبا. كما طلب من الجامعات الأوروبية إلى تخصيص كراس دائمة لهذه اللغات. واقترح منهجا لتعلم اللغات الشرقية التي اعتبرها عائلة واحدة، يقضي بتعلم واحدة منها فقط لتسهيل معرفة اللغات الأخرى. وهذا ما مهد لعلم "اللغات السامية المقارن".
دعا رافيس أيضا إلى إنشاء "مركز أبحاث" أو نظام مراسلات يربط علماء أوروبا بعلماء الشرق وتبادل المخطوطات، مؤكدا أن التناغم بين الشعوب لا يتحقق بالحروب بل بفهم لغاتها وتراثها العلمي.
وكان يتطلع إلى ترجمة ونشر أمهات الكتب العربية في طبعات متقنة لتستفيد منها النهضة العلمية الأوروبية.
عرف رافيس بطباعه الصعبة. فقد وصفه معاصروه بأنه متغطرس وقلق ودائم الشكوى من قلة المال. وقد أثار استياء مؤيديه الإنكليز.
ألقى رافيس عددا كبيرا من المحاضرات حول اللغات الشرقية، في لندن وأوترخت وأمستردام ولاحقاً في أوبسالا، حيث عيّنته ملكة السويد كريستينا أستاذاً للغات الشرقية في 1650.
كان رافيس قد أفسد علاقاته في إنكلترا وهولندا، وانتقل إلى السويد للعمل في بلاط الملكة كريستينا التي كانت تجمع العلماء ومن بينهم الفرنسي رينيه ديكارت.
عُيّن رافيس أستاذا في أوبسالا وأمينا لمكتبة البلاط. إلا أنه سرعان ما اصطدم بإسحاق فوسيوس (1618-1689)، العالم الهولندي الموسوعي الذي كان من المفضلين لدى الملكة. وقد اتهم رافيس بالدجل والسرقة الأدبية.
انتهت إقامة رافيس في السويد بفضيحة. فقد اتُهم بسوء إدارة مخطوطات المكتبة الملكية وعدم إنجاز الفهرس الذي وعد به. وقد فرّ من السويد مثقلًا بالديون، تاركا وراءه سمعةً رجل لامع يفتقد إلى المصداقية.
في العقود اللاحقة، درّس في كيل (من عام 1669)، وعُيّن أستاذا للعبرية والعربية في فرانكفورت-أم-أودر في 1672.
توفي كريستيان رافيس في فرانكفورت أم أودر ودُفن في كنيسة أوبركيرشه في 1677.
ترك رافيس كماً هائلا من الأوراق غير المترابطة.
وكان يطمح إلى نشر "التناغم العظيم" في جميع اللغات الشرقية لكن لم يتمكن من إنجازه.
وهو يوصف اليوم بأنه رجل رأى الروابط بين اللغات السامية بوضوح، لكن كان ينقصه الانضباط والاستقرار اللازمين لتنظيمها في عمل أكاديمي كبير.
لم يمكث رافيس في أي جامعة لفترة طويلة. لكن أسفاره وتدريسه وجمعه للمخطوطات الشرقية، تركت أثرا واضحا على الدراسات الشرقية الأوروبية في القرن السابع عشر، ولا تزال تثير اهتمام الباحثين.
لكن دراسات رافيس واجهت انتقادات. فقد شكك بعض معاصريه ومؤرخون لاحقون في مدى إتقانه للغات أخرى غير التركية.
ويُقال إن مكانته تضررت في نقاشات دارت بينه وبين جاكوبوس غوليوس ونيكولاس بيتري من حلب، الذي عمل لدى رافيس في نسخ المخطوطات وشكك في كفاءته.
وقد أدت الدراسات الحديثة، ولا سيما الأبحاث المعاصرة التي أعادت بناء تاريخ جمعه للمخطوطات وخدمته الحكومية في السويد، إلى مراجعة كل أعماله.
جيمس آشر (James Ussher) رئيس أساقفة أيرلندي وبروتستانتي من القرن السابع عشر، عالم في اللاهوت والتاريخ القديم. أبرز أعماله "تسلسل آشر الزمني" الذي قام فيه بحساب تاريخ بداية الخلق (نشأة الكون) بناءً على نصوص الكتاب المقدس، وخلص إلى أنه كان في 4004 قبل الميلاد. تعتبر مكتبته واحدة من أهم المجموعات العلمية في القرن السابع عشر، ضمت أكثر من عشرة آلاف مجلد بينها مخطوطات نادرة باللغات العبرية والعربيةوالسريانية وكتب في اللاهوت والتاريخ. بعد وفاته في 1661، اشترى جيش "أوليفر كرومويل" المكتبة لمنع تشتتها، ثم وهبها الملك تشارلز الثاني لاحقاً إلى كلية ترينيتي (Trinity College) حيث أصبحت نواة مكتبتها الشهيرة.الكلية حتى الآن. وآشر كان يرسل وكلاء إلى حلب واسطنبول لشراء المخطوطات الشرقية، لذلك أصبحت مكتبته مصدرا أساسيا للمستشرقين واللاهوتيين الذين درسوا النصوص الدينية المقارنة.
اسحق فوسيوس (1618-1689) عالم هولندي موسوعي وأحد أبرز جامعي المخطوطات في القرن السابع عشر. امتلك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في عصره، ضمت مخطوطات نادرة باليونانية والعربية والعبرية وانتقلت لاحقاً إلى جامعة لايدن.