(1652-1582) بيترو ديلا فالي
Pietro Della Valle
Pietro Della Valle
بيترو ديلا فالي (1582-1652) رحالة وموسيقي وكاتب إيطالي يُعد من أهم الشخصيات التي نقلت صورة تفصيلية عن الشرق إلى أوروبا في القرن السابع عشر، بعد رحلة دامت 12 عاما .
ولد بيترو ديلا فالي في روما لعائلة ثرية من طبقة النبلاء واكتسب معرفة عسكرية ودرس اللاتينية واليونانية والكتاب المقدس. وقد اشتهر كشاعر وخطيب مفوه.
في 1611 شارك في حملة بحرية اسبانية ضد القراصنة على سواحل شمال إفريقيا.
عاش ديلا فالي أزمة عاطفية دفعته إلى التفكير في الانتحار. لكن أستاذ الطب في جامعة نابولي ماريو سكيبانو نصحه بالسفر إلى الشرق.
في 1614، بدأ ديلا فالي رحلته إلى الشرق التي استغرقت 12 عاما.
بدأت الرحلة في القسطنطينية حيث أمضى أكثر من عام واكتسب معرفة جيدة باللغة التركية وبعض العربية والفارسية والعبرية. بعد ذلك، توجه في 1615 إلى الإسكندرية يرافقه تسعة أشخاص وبكل الامتيازات التي يتمتع بها بصفته نبيلا.
من الإسكندرية، سافر إلى القاهرة ثم زار جبل سيناء. بعد ذلك توجه إلى الأراضي المقدسة التي وصلها في آذار (مارس) 1616، في الوقت المناسب للمشاركة في احتفالات عيد الفصح.
سافر ديلا فالي بعد ذلك إلى دمشق ثم حلب.
في السنة نفسها، تزوج في بغداد ستي معاني جويريدة وهي، ابنة أب نسطوري كاثوليكي وأم أرمنية بعد شهر على لقائها. كما زار موقع مدينة بابل الأثرية ودون ملاحظات مفصلة حولها.
اثبت ديلا فالي في 1616 أن موقع مدينة بابل القديمة هو في مدينة الحلة بعدما كان يعتقد في أوروبا أن مدينة بغداد هي بابل التاريخية. كما قدم وصفا لما يُعتقد أنه "برج بابل" وبقاياه.
وفي طريق عودته، اكتشف مدينة أور السومرية وكان أول رحالة أوروبي يزور موقعها في 1625. وقد وصف بقايا "الزقورة" وأشار إلى وجود قطع أثرية فريدة في الموقع. في كربلاء اكتشف حصن الأخيضر في 1626.
كان ديلا فالي أول من جلب من بابل وأور إلى أوروبا، عينات من الطوب المكتوب بالمسمارية. وقد وصف هذه الكتابة بأنها "غريبة وتُقرأ من اليسار إلى اليمين"، وهو استنتاج صحيح سبق به علماء فك الرموز بقرون. وهذه القطع كانت من أوائل نماذج الكتابة المسمارية التي أتيح للأوروبيين المعاصرين رؤيتها.
جمع ديلا فالي عينات من القار (الزفت) المستخدم في البناء، وقطعاً من البلاط والطوب الأثري، مثيرا استغراب السكان المحليين في ذلك الوقت الذين لم يفهموا سر اهتمامه بهذه "الأحجار القديمة".
زار أيضا موقع قطيسفون (المدائن) وأكد أنها عاصمة ساسانية قديمة.
في بداية 1617، توجه ديلا فالي برفقة زوجته معاني، إلى بلاد فارس حيث زار همدان وأصفهان.
وقد استقبله في أصفهان الشاه عباس بحفاوة كبيرة وأعجب بذكائه وثقافته الواسعة ودعاه إلى مرافقته في رحلات الصين ومنحه لقب خان.
في صيف 1618، شارك ديلا فالي في حملات الشاه عباس ضد العثمانيين وخاض معارك. وقد وصف في مذكراته التكتيكات العسكرية الفارسية وشجاعة الشاه في الميدان.
كان ديلا فالي يرى في الصفويين "حلفاء طبيعيين" للمسيحية ضد الأتراك، وهو المفهوم السياسي الذي روج له في رسائل للبابا. وقد حاول إقناع الشاه عباس بتشكيل تحالف عسكري مع قوى في أوروبا وخصوصا البابا واسبانيا لضرب الدولة العثمانية من جهتين، وشجعه على مواصلة الحرب ووعده بأن تدبر أوروبا هجوما من الغرب لتخفيف الضغط عنه.
من جهة أخرى، استغل قربه من الشاه للحصول على تصاريح خاصة لزيارة المواقع الأثرية ونسخ النقوش، وهو ما لم يكن متاحا لأي أوروبي قبله.
لكن العلاقات بين الرجلين توترت عندما شعر الشاه أن الوعود الأوروبية لم تنفذ.
في تشرين الأول (أكتوبر) 1621، غادر أصفهان، وزار برسيبوليس وشيراز، ثم اتجه نحو الساحل. وبينما كان ينتظر وسيلة نقل في كرمان، توفيت زوجته بعيد وضعها طفلا ميتا. وقد رفض دفنها في أرض غريبة، فقام بتحنيطها وحمل تابوتها معه على ظهور الجمال والخيول لخمس سنوات حتى عودته إلى روما.
في كانون الثاني (يناير) 1623، توجه إلى مدينة سورات الهندية.
في 1625 زار مسقط ثم البصرة التي انطلق منها عبر الطريق الصحراوي إلى حلب واستقلّ سفينة فرنسية من الإسكندرونة.
عاد ديلا فالي في 1626 إلى روما حيث استُقبل بحفاوة بالغة، ليس فقط في الأوساط الأدبية، بل أيضا من البابا أوربان الثامن، الذي عيّنه خادما خاصا له. وقد قدم للبابا المخطوطات السامرية والآثار التي جلبها، وبينها مخطوطات فارسية نادرة ساعدت في فهم الأدب الصفوي في إيطاليا.
تحدث ديلا فالي عن رحلته في 54 رسالة أرسلها إلى صديقه الطبيب ماريو سكيبانو. وقد نشرت بعنوان "كتاب الرحلات" في ثلاثة أجزاء (تركيا وبلاد فارس والهند) في 1650 و1658 و1663.
تضمنت الرسائل وصفا دقيقا للعادات والأثار والسياسة والنباتات والحيوانات في المناطق التي زارها. وقد تحدث عن طريق البادية بين بغداد وحلب مع وصف دقيق للمحطات والآبار ومواقع القبائل العربية في بلاد الشام. كما رسم مسار القوافل بين بلاد الرافدين والبحر الأبيض المتوسط.
كما وصف بابل وكذلك بقايا برج بابل الدي حدده في موقع تل مجليبة أو بقايا زقورة إيتيمينانكي. وقد اعتمد الرسامون الأوروبيون بعد ذلك على وصفه في رسومهم لبابل وبرجها.
كان ديلا فالي يسجل مدة الرحلة بالساعات والأيام بين المدن، مما وفر قاعدة بيانات لشركات التجارة الأوروبية لرسم خرائطها الملاحية والبرية.
شكل نشر الجزء الأول من "كتاب الرحلات" في 1650 حدثا ثقافيا واستثنائيا في روما التي كانت تحتفل ب"سنة اليوبيل" التي تجذب الاف المؤمنين والعلماء من جميع أنحاء أوروبا.
من جهة أخرى، كانت روما في عهد البابا إينوسنت العاشر مهتمة جدا بمد نفوذها الى الشرق، لذلك كان الكتاب مهما جدا بما يتضمنه من معلومات استخباراتية وجغرافية دقيقة عن الدولة العثمانية وبلاد فارس، وتوثيق لأحوال المسيحيين في الشرق مما ساعد "مجمع نشر الإيمان" على تخطيط بعثاته التبشيرية. وأورد في الكتاب أيضا فكرة تحالف أوروبي محتمل مع الصفويين في إيران للتصدي للعثمانيين، التي رحبت بها النخبة الحاكمة في روما.
لقي الكتاب رواجا كبيرا وترجم إلى الفرنسية (1661-1665) ثم الهولندية (1664) فالألمانية (1674).
عاش ديلا فالي بقية حياته بهدوء وتزوج من شابة يتيمة جورجية من عائلة نبيلة، كانت زوجته الأولى قد تبنّتها في طفولتها، وسافرت معه، وأنجبت له أربعة عشر طفلا.
كان ديلا فالي مؤلفا موسيقيا موهوبا أيضا. وقد ألّف عدة قطع موسيقية منها "حوار من أجل عيد الميلاد" (Oratorio per la Festa del Santissimo Natale). كما ساهم في تطوير آلات موسيقية.
توفي ديلا فالي في روما في 1652، ودُفن في مدفن عائلته.
بعد وفاته، اشترت الكنيسة الجزء الأكبر من مكتبته بما في ذلك "التوراة السامرية" التي ما زالت في الفاتيكان وتشكل مرجعا أساسيا لكل الباحثين في النصوص النقدية للكتاب المقدس. وكان ديلا فالي أول من جلب نسخة من هذه التوراة من دمشق إلى أوروبا.
مذكرات "ستي معاني" وهو سيرة مؤثرة لزوجته الراحلة معاني جويريدة، وصف فيها حياتها، وبطولاتها في السفر معه، وقصة وفاتها وتحنيط جثمانها.
مسودات ومخطوطات لقاموس تركي وقواعد للغة التركية، وأخرى عن اللغة الفارسية.
رسالة عن الموسيقى (Della musica dell'età nostra) (1640)
نقل ديلا فالي جثمان زوجته المحنط لمدة خمس سنوات عبر الجبال والبحار. وعند وصوله إلى روما في 1626 أقام لها جنازة أسطورية في كنيسة "سانتا ماريا في أرا كويلي"، تعكس احتفاء ب"شهيدة الحب والشرق". وقد ألقى ديلا فالي بنفسه مرثية مؤثرة باللاتينية طُبعت لاحقاً ووزعت في أوروبا. دفنت زوجته في مقبرة عائلة "ديلا فالي" الأرستقراطية، وأصبحت قصتها مادة للأدباء والشعراء الإيطاليين الذين رأوا فيها تجسيداً للعلاقة الرومانسية بين الشرق والغرب.