(1723-1673) ديمتري كانتيمير
Dimitrie Cantemir
Dimitrie Cantemir
ديمتري كانتيمير (1673-1723) أمير مولدافي وعالم موسوعي سمحت له نشأته في السلطنة العثمانية بالتعرف بعمق على الثقافات الشرقية وتكوين رؤية فريدة وثّقها وحلّلها، ليشكل بذلك فهم الأوروبيين للعالم الإسلامي لأجيال.
وُلد كانتيمير لعائلة نبيلة في بلدة سيليشتينا التي كانت تقع في مولدافيا وأصبحت اليوم تحمل اسمه وتقع في رومانيا. كانت مولدافيا حينذاك تابعة للسلطنة العثمانية.
في الخامسة عشرة من عمره وكغيره من معظم أبناء طبقة الأمراء الرومانيين، أُرسل رهينةً إلى اسطنبول حيث أمضى أكثر من عشرين عاما. وخلال هذه الفترة، من عام 1688 إلى عام 1710، تعلم عددا من اللغات الشرقية (العربية والفارسية والتركية) واللغات الغربية (الفرنسية والألمانية والإيطالية والاسبانية). كما اطلع على الحياة الفكرية في السلطنة العثمانية.
وقد درس في أكاديمية البطريركية اليونانية، وتتلمذ على يد علماء كبار أتراك ويونانيين وعرب. كما درس اللاهوت والتاريخ والفقه والأدب الإسلامي.
في 1710، انتخب حاكما لمولدافيا. وكغيره من حكام المنطقة، سعى إلى التحرر من الحكم العثماني ووافق في السنة نفسها عرض بطرس الأكبر قيصر روسيا الذي كان في حالة حرب مع السلطنة العثمانية وانضمت قواته إلى الجيوش الروسية. ونصت المعاهدة المولدافية الروسية، على أن تصبح مولدافيا إمارة تتوارث عائلة كانتيمير الحكم فيها، تحت حماية روسيا.
لكن الجيش المولدافي الروسي هزم في 1711 أمام العثمانيين واضطر ديمتري كانتيمير إلى الفرار إلى روسيا حيث منحه صديقه بطرس الأكبر لقب أمير في الإمبراطورية الروسية، ومنحه عقارات واسعة في روسيا وفي روسيا الصغرى (أوكرانيا الحالية).
في روسيا، واصل كانتيمير نشاطه الفكري تحت رعاية بطرس الأكبر، زأصبح مستشارا خاصا وعضوا في مجلس الشيوخ. وكان له دور بارز في تأسيس أولى المؤسسات الأكاديمية الروسية، وواصل الكتابة بغزارة في التاريخ والفلسفة واللغويات.
ألف كانتيمير عددا من الكتب أهمها "تاريخ نشأة وسقوط الدولة العثمانية" (Historia Incrementorum atque Decrementorum Aulae Othmanicae)، الذي كتبه باللاتينية في منفاه في روسيا. وقد نُشر غي 1734، بعد وفاته.
كان هذا العمل الضخم أول سرد شامل ومنهجي لتاريخ الدولة العثمانية يُتاح في الغرب، استنادا إلى مصادر تركية وعربية وفارسية أصلية، بدلا من الروايات الأوروبية الثانوية.
وقد مكنه موقعه الفريد من من تقديم رؤية دقيقة ونقدية، وفي الوقت نفسه متعاطفة إلى حد كبير، للدولة العثمانية التي حلل بنيتها السياسية وتنظيمها العسكري وممارساتها الثقافية.
وظل كتابه "التاريخ" مرجعا أساسيا للمستشرقين الأوروبيين لأكثر من قرن.
وإلى جانب التاريخ، شملت اهتمامات كانتيمير الموسيقى والإثنوغرافيا (وصف الشعوب) والفلسفة.
فقد كان موسيقيا موهوبا، وجمع مجموعة قيّمة من النوتات الموسيقية العثمانية. وقد نسخ كثر من 350 مقطوعة موسيقية تركية كلاسيكية محافظًا بذلك على تراث غني كان من الممكن أن يندثر لولا ذلك. وتُعتبر أطروحته في نظرية الموسيقى العثمانية نصا تأسيسيا في هذا المجال.
قدم كانتيمير أيضا وصفا مفصلا للمجتمعين المولدافي والعثماني بما في ذلك العادات والأديان والبنى الاجتماعية.
توفي ديمتري كانتيمير في 1723 في دميتروفكا في روسيا.
لعب كانتيمير دورا كبيرا في ربط الثقافات الشرقية والغربية. فقد قدمت أعماله إلى الأوروبيين معلومات دقيقة عن السلطنة العثمانية، كان لها أثر كبير على دراسات الاستشراق اللاحقة.
"موسوعة المستشرقين"، عبد الرحمن بدوي
"تاريخ الاستشراق"، نجيب العقيقي