(1701-1637) روبرت هانتينغتون
Robert Huntington
Robert Huntington
روبرت هانتينغتون (1637-1701) رجل دين ومستشرق إنكليزي كان أحد أهم جامعي مخطوطات الشرق الأوائل للمكتبات الإنكليزية.
وُلد روبرت هانتينغتون في ديرهيرست في غلوسترشير وكان والده قسيسا. تلقى تعليمه في مدرسة بريستول.
في 1652 قُبل عضوا في كلية ميرتون بجامعة أكسفورد حيث درس اللغات الشرقية، وتخرج منها بدرجة البكالوريوس في 1658 وحصل على الماجستير في 1662-1663.
في 1670، عُيّن هانتينغتون قسيسا ل"شركة المشرق" في حلب التي وصلها في العام التالي وبقي فيها حوالي عشر سنوات (1671-1681).
اتخذ هانتينغتون من حلب مقرا رئيسيا له وكان يقوم برحلات إلى فلسطين وقبرص ومصر. وخلال هذه السنوات، جمع بين واجباته الدينية والبحث عن مخطوطات. وقد اشترى عددا منها ونسخ أخرى، وكُلف كتابة أعمال باللغات العربية والعبرية والسريانية والقبطية وغيرها، لنفسه ولشخصيات إنكليزية تولت رعايته.
وكان على اتصال مع كبار العلماء في إنكلترا، وأصبح وسيطا رئيسيا في نقل مخطوطات إلى المجموعات الإنكليزية.
في 1671 زار هانتينغتون نابلس واتصل بالسامريين. وقد أبلغهم أن مجموعة منهم تعيش في لندن، مما أثار حماسهم للتقرب من هذه "القلة المحاصرة". واستغل هانتينغتون ذلك لبدء مراسلات معهم استمرت لسنوات عديدة بين العلماء الإنكليز والسامريين. وكان هدف مراسلاته الحصول على نسخ نادرة من التوراة السامرية، ونجح في ذلك. ومن المخطوطات التي حصل عليها كتاب "أساطير موسى"، أحد أقدس وأقدم النصوص غير التوراتية لدى السامريين.
كما زار جبل لبنان واتصل بالموارنة للحصول على مخطوطات سريانية.
شملت رحلات هانتينغتون مصر حيث زار في 1677 دير سانت كاترين في سيناء وبحث عن آثار قبطية وخصوصا عن نسح مبكرة من الإنجيل. واجه هانتينغتون وفريقه خلال الرحلة، خطر قطاع الطرق والظروف المناخية القاسية في الصحراء. وعند وصوله، واجه صعوبة في إقناع الرهبان الذين كانوا يخشون من أطماع المستشرقين الأوروبيين، بالسماح له بالاطلاع على المكتبة أو شراء المخطوطات.
مع ذلك، نجح هانتينغتون في معاينة وتوثيق العديد من المخطوطات القبطية والعربية النصرانية، وأحضر معه أوصافا دقيقة للآثار والنقوش في سيناء. وقد مهد الطريق لرحلات استكشافية كبرى لاحقة.
في 1678، زار هانتينغتون تدمر وكتب رسائل نفصلة تصف الآثار والنقوش فيها. وكانت هذه الرسائل من أوائل التقارير العلمية التي وصلت إلى أوروبا عن هذه المدينة الأثرية.
زار هانتينغتون قبرص حيث كان يستخدم العلاقات التجارية والقنصلية ل"لشركة المشرق" في موانئ الجزيرة مثل لارنكا وفاماغوستا. وقد زار أديرة في الجزيرة بحصا عن مخطوطات وزار مكتبات كنسية بحثا عن نسخ نادرة من العهد القديم والنصوص الشرقية.
نجح هانتينغتون في اقتناء أكثر من 600 مخطوطة باللغات العربية والعبرية والسريانية والقبطية والسامرية. وتعد مجموعته واحدة من كبريات مجموعات المخطوطات في عصره.
أشهر المخطوطات التي جمعها هانتينغتون كتاب لموسى بن ميمون يحمل توقيعه، بعنوان "ميشني توراه" والتوراة السامرية (الأسفار الخمسة) مع ترجمات عربية لها، ونسخ نادرة من كتب ابن سينا والرازي في الطب، وترجمات عربية لأعمال غالينوس وأبقراط، ومخطوطات في الفلك والرياضيات لعلماء مسلمين كانت تدرس في دمشق وحلب. كما حصل على نسخ قديمة من مقامات الحريري وكتبا حول تاريخ حلب وبلاد الشام ومخطوطات نصرانية عربية وترجمات للإنجيل كانت تستخدمها الكنائس الشرقية في سورية ومصر.
بعد استقالته من "شركة المشرق" في 1681، عاد هانتينغتون عبر إيطاليا وفرنسا، إلى أكسفورد وواصل مسيرته الأكاديمية والدينية.
في 1683، عُيّن عميدا لكلية ترينيتي في دبلن حيث قدم مخطوطات إلى مكتبة الكلية ودعم مبادرات علمية مثل الاجتماعات الأولى للجمعية الفلسفية في دبلن.
استقال هانتينغتون في 1692 من منصب عميد كلية ترينيتي وعُيّن عميدا لكلية غريت هالينغبري في إسكس.
في 1693 اشترت مكتبة بودليان الجزء الأكبر من مكتبته الشرقية التي ضمت أكثر من 600 مخطوطة، لقاء 700 جنيه استرليني. وما زالت هذه المخطوطات تعرف باسم "مجموعة هانتينغتون". وكان قد أهدى هذه المكتبة 35 مخطوطة من قبل.
كما أهدى كلية ميرتون 14 مخطوطة.
في 1685، أهدى توماس مارشال عميد كلية لينكولن في أكسفورد مكتبة بودليان مخطوطات بينها نسخ قبطية لأناجيل حصل عليها هانتينغتون. كما ترك رئيس أساقفة إيرلندا نارسيسوس مارش للمكتبة نفسها عددا كبيرا من المخطوطات التي جمعها هانتينغتون.
توفي روبرت هانتينغتون في دبلن في 1701.
لم ينشر هانتينغتون الكثير واقتصرت أعماله المطبوعة على مقال قصير في "المعاملات الفلسفية".لكن إرثه الدائم مادي: فقد أثرت مجموعته من المخطوطات مكتبة بودليان وغيرها بمؤلفات نادرة ومتنوعة كانت مهمة للباحثين اللاحقين في الإسلام والمسيحية في الشرق الأدنى وفقه اللغة السامية.
وصلت رسائل السامريين إلى جامعة أكسفورد، وتلقفها المستشرق الانكليزي توماس مارشال (1621-1685) الذي لم يبلغ السامريين مباشرة بالحقيقة، أي عدم وجود مجموعة منهم في لندن، بل استمر في المراسلة باللغة العبرية السامرية لسنوات بهدف استخراج أكبر قدر من المعلومات حول طقوسهم ولغتهم. ولم يكتشف السامريون الحقيقة إلا بعد فترة طويلة. وما زالت الرسائل، إلى جانب المخطوطات، تُعد من أهم مصادر دراسة السامريين في الغرب.
"شركة المشرق" (Levant Company) البريطانية تأسست بمرسوم من الملكة إليزابيث الأولى لاحتكار التجارة مع الدولة العثمانية. كان مقرها الرئيسي في لندن، لكن حلب كانت أهم مراكزها و"إسكندرون" ميناءها. وقد كانت "العملاق التجاري" الذي ربط إنكلترا بالدولة العثمانية لأكثر من قرنين (1581–1825). ركزت الشركة على استيراد الحرير الخام والتوابل والقطن والمواد الصبغية من الشرق، مقابل تصدير المنسوجات الصوفية الإنكليزية (الجوخ). كانت الشركة هي المسؤولة فعليا عن تعيين السفراء والقناصل الإنكليز في الأستانة وحلب، وكانت تدفع رواتبهم، مما منحها نفوذا سياسيا هائلا.
أثناء إقامته في حلب، سمع هانتينغتون شائعات عن "مدينة أعمدة" في الصحراء. أراد أن يكون من أوائل الأوروبيين الذين يوثقون آثارها. ونظم مجموعة من التجار الإنكليز والخدم من "شركة المشرق" وسافروا من حلب إلى الصحراء المفتوحة، وهي منطقة تسيطر عليها قبائل بدوية تبدي غالبا عداء للسلطة العثمانية والمسافرين الأجانب. في طريقهم، اعترضتهم مجموعة كبيرة من البدو. وللبقاء على قيد الحياة، اضطرت المجموعة لدفع مبلغا كبيرا من المال والتفاوض على مرورها تحت تهديد مستمر بالهجوم. أعجب هانتينغتون بعظمة معبد بل والرواق الكبير. ولم تتمكن المجموعة من البقاء إلا لفترة قصيرة جدا - بضع ساعات أو يوم واحد للاستكشاف - قبل أن تضطر للتراجع لضمان سلامتها.
نارسيسوس مارش (1638-1713) كان رئيس أساقفة أرماغ ورئيس أساقفة عموم أيرلندا، لكنه يُذكر بشكل خاص كراعٍ كبير للدراسات الشرقية. بعد وفاة هانتينغتون، كان لمارش دور أساسي في حفظ ودراسة مجموعته الضخمة من المخطوطات. ومارش نفسه كان جامعا للمخطوطات واشترى مكتبة المستشرق الهولندي جاكوبوس غوليوس التي ضمت مئات المخطوطات العربية والفارسية والتركية.
قاموس السير الوطنية (Oxford Dictionary of National Biography)
موسوعة المستشرقين (عبد الرحمن بدوي)
كتاب "المستشرقون" (نجيب العقيقي)