(1621-1603) فرانسيسكو دي غورميندي
Francisco de GURMENDI
Francisco de GURMENDI
فرانسيسكو دي غورميندي (نشط بين 1603 و1621)، مستشرق اسباني لعب، بصفته مترجما للبلاط، دورا أساسيا في النقاشات الفكرية والسياسية في إسبانيا حول العالم الإسلامي، ولا سيما ما يعرف باسم قضية "كتب الرصاص" في بداية القرن السابع عشر.
لا يُعرف الكثير عن حياة غورميندي المبكرة، باستثناء أنه من منطقة الباسك وولد لعائلة نبيلة في مدينة زاراوتز، وكان والده خورخي دي غورمندي رئيس بلدية المدينة لفترة طويلة.
أُرسل فرانسيسكو في شبابه إلى مدريد حيث عاش في منزل رجل الدولة خوان دي إيدياكيز (1540-1614)، صديق العائلة ورئيس مجلس الرهبانيات والسكرتير السابق للملك فيليبي الثاني.
في البداية، كان تلميذا للمترجم وعالم اللغات دييغو دي أوريا (1550-1616)، ثم لعالم اللاهوت ماركوس دوبيليو (1572-1654). وقد أتقن غورمندي العربية والتركية والفارسية.
في 1603، بدأ الخدمة رسميا في بلاط ملك اسبانيا فيليبي الثالث، بصفة مترجم لهذه اللغات الثلاث. وشملت مهمته الترجمة الفورية في مبادلات دبلوماسية رفيعة المستوى، إلى جانب ترجمة المراسلات والمذكرات الدبلوماسية المتبادلة التي يتم اعتراضها بين الدولة العثمانية وسلالة السعديين في المغرب.
لم يكن غورمندي مجرد لغوي، بل مثل جسرا حيويا بين التاج الإسباني وعالم الشرق الإسلامي. وهذا ما سمح له بالتأثير بشكل مباشر في النقاشات الفكرية والسياسية في عصره.
وضعه عمله هذا في قلب العديد من القضايا والمهام الحاسمة في أوائل القرن السابع عشر، لعل أشهرها قضية "كتب ساكرومونتي" المتعلقة بكتب الرصاص المثيرة للجدل.
هذه النصوص التي قيل إنها تعود إلى القرن الأول بعد الميلاد ، اكتُشفت في غرناطة بين 1595 و1600. وقد كتبت بمزيج من اللغتين العربية واللاتينية، وتفيد بأن شفيع غرناطة سانت سيسيليو كان عربيا مسيحيا من تلاميذ القديس يوحنا.
أثارت هذه المخطوطات التي وصفت بأنها أناجيل ونبوءات مسيحية مبكرة، حيرة الفاتيكان والتاج الاسباني الذي اختار غورميندي لترجمتها وتحليلها.
وفي أوج صراع دائر مع السكان الموريسكيين وتهديد بطردهم الوشيك، أثارت هذه الكتب جدلا حادا.
وكان على غورمندي أن يحدد ما إذا كانت نصوصا صحيحة، مما يشير إلى أن العرب كانوا من أوائل مسيحيي اسبانيا، أم تزويرا متقنا قام به الموريسكيون بهدف إضفاء الشرعية على وجودهم وتراثهم العربي في إسبانيا المسيحية.
عمل غورمندي مع علماء آخرين بدقة وتمكن من كشف المفارقات التاريخية فيه وكشف أنها مزورة. وبناء على ذلك دانها البابا إنوسنت الحادي عشر في 1682.
كان غورمندي منخرطا بعمق في العلاقات الإسبانية مع المغرب العربي (شمال أفريقيا). وكان مسؤولا عن ترجمة رسائل حكام المغرب والجزائر. وقد كان غورميندي المرجع الأخير في مدريد فيما يتعلق بصيغ المخاطبة والبروتوكول الصحيحين للزعماء المسلمين.
كلف غورمندي أيضا مهمة تصنيف المخطوطات العربية التي صودرت من شمال إفريقيا. فقد سمح انخراط إسبانيا المستمر والمتمثل بصراعات في أغلب الأحيان، مع دول هذه المنطقة بالاستيلاء على عدد كبير من هذه المخطوطات.
تطلبت هذه المخطوطات التي تنوعت بين الرسائل الدينية والأعمال العلمية والسجلات التاريخية والوثائق القانونية، فرزا وتحليلا من قبل متخصصين.
وكان دور غورمندي هو غربلة هذه الغنائم الفكرية، وفهم محتوياتها، وتقييم دلالاتها السياسية أو الدينية، وتحديد قيمتها بالنسبة للدولة الإسبانية - سواء لأغراض الاستخبارات أو الدعاية أو مجرد الأرشفة.
وفي إطار هذه المهمة الرسمية، كلف دراسة وترجمة الخزانة الزيدانية، وهي مخطوطات تعود لمكتبة السلطان المغربي زيدان الناصر بن أحمد، استولى عليها قراصنة إسبان في المحيط الأطلسي في 1612.
وقد ساعد في تصنيف محتوياتها من آلاف المخطوطات التي تتناول اللاهوت والفلسفة والطب والتاريخ، وأُوكلت إليه مهمة اختيار نصوص منها للترجمة ونقلها إلى مكتبة الإسكوريال حيث ما زالت موجودة حتى اليوم.
ترجم دي غورمندي اثنين من هذه الأعمال، نشر واحدا في 1615 بعنوان "عقيدة الفيزياء والأخلاق في المبادئ"، بينما لم ينشر "كتاب معايير الملك" حتى اليوم وما زال مخطوطة حفظت نسخة منها في مكتبة برلمان الباسك وأخرى في مكتبة قصر لامبيث في لندن.
في 1618، بدأ يعاني من مشاكل صحية وانسحب من مهامه في مكتبة الإسكوريال. وكتب رسالة أخيرة تحدث فيها عن مرضه في آب (أغسطس) 1618.
ويعتقد أنه توفي في 1621 بعيد رحيل الملك فيليبي الثالث.
وقد تحدثت روايات من مؤيدي صحة "كتب الرصاص" عن موته نتيجة تعرضه لعنف، لكن بعض المؤرخين يرجحون أنه مات بسب المرض.
ألّف غورمندي معاجم وقواميس باللغات العربية والتركية والفارسية، لكن هذه الأعمال فقدت على الأرجح بسبب حريق مكتبة الإسكوريال في 1617.
كما ترجم عددا من الأعمال الشعرية العربية إلى اللغة القشتالية.
عمل غورمندي خلال فترة من الحماس الديني في إسبانيا، وارتبط عمله بشكل وثيق بـ"المسألة الموريسكية" وعلاقات البلاد مع الإمبراطورية العثمانية، وطموحاتها التوسعية.
وقد أتقن العربية، لغة التواصل المشتركة في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي ، والتركية لغة الإمبراطورية العثمانية القوية، والفارسية، لغة الثقافة والدبلوماسية. وكانت هذه المهارة اللغوية لا تُقدر بثمن لإمبراطورية عالمية كإسبانيا، في علاقاتها الدبلوماسية وإدارتها للطرق التجارية ومواجهاتها مع مختلف القوى الإسلامية.
كتب الرصاص (Libros Plumbeos) التي اكتشفت في غرناطة بين 1595و1600، كان هدفها إثبات أن الموريسكييين ليسوا غرباء أو مسيحيين جدد بل ورثة أقدم تقاليد مسيحية في اسبانيا، وأن إرثهم العربي هو جزء أصيل من تاريخ الكنيسة الاسبانية، وذلك لإقناع الكنيسة والدولة بوقف طردهم وحظر ثقافتهم. وقد زعمت أن أول إسقف لغرناطة القديس سيسيليو ورفاقه كانوا من أصل عربي وبشروا بالمسيحية في إسبانيا باللغة العربية، وأن اللغة العربية لغة مقدسة كانت مريم العذراء تعتبرها جديرة بحمل كلمة الله. لكن هذه المحاولة انتهت بصدور قرار من الفاتيكان عام 1682 بإدانة الكتب ووصفها بأنها تحتوي على "ضلالات إسلامية"، وتمت مصادرتها ونقلها إلى روما حتى أُعيدت إلى غرناطة في عام 2000 كقطع أثرية وتاريخية.