فرانسوا بيتيس دي لا كروا (1653-1713) مستشرق ودبلوماسي فرنسي ترجم عددا كبيرا من الأعمال الأدبية الشرقية التي عرّفت الأوروبيين بغنى التاريخ الفارسي والعربي والتركي.
وُلد فرانسوا بيتيس دي لا كروا في باريس وينتمي إلى سلالة من مترجمي اللغات الشرقية الذين خدموا البلاط الفرنسي لأجيال. وكان كل من والده، أنطوان بيتيس دي لا كروا، وجده يحمل لقب "مترجم الملك للغات الشرقية".
أمنت له هذه المهنة الموروثة تلقي تعليم مبكر ودقيق في اللغة العربية والفارسية والتركية منذ صغره، في بيئة كانت فيها هذه اللغات جزءا لا يتجزأ من الحياة الفكرية اليومية.
في 1670 انطلق بيتيس دي لا كروا في رحلة طويلة إلى السلطنة العثمانية وخصوصا بلاد الشام ، وبلاد فارس وهو في السادسة عشرة من عمره. وقد أرسله جان باتيست كولبير (1619-1683) رئيس الحكومة إلى الشرق الأوسط في إطار برنامج وضعه لإنشاء مجموعة من المسؤولين الأكفاء، هم "شباب اللغات".
وخلال السنوات العشر (1670-1680) التي قضاها في سورية وبلاد فارس وتركيا، تعلم العربية والفارسية والتركية، وجمع مواد استخدمها في كتاباته اللاحقة. وقد درس في حلب وزار أصفهان من 1674 إلى 1676.
خلال هذه الفترة، لم يكتفِ بصقل معرفته باللغات المحلية، بل تعمّق أيضاً في فهم الثقافات والعادات والآداب الإسلامية. وقد أكسبته هذه التجربة الغنية معرفةً أصيلة نادرة في عصره.
بعد عودته إلى فرنسا، خلف بيتيس دي لا كروا والده في منصب المترجم الملكي للغات الشرقية في 1680. وكانت خبرته لا تُقدّر بثمن بالنسبة للملكية الفرنسية، لا سيما خلال التبادلات الدبلوماسية مع الباب العثماني ودول شمال أفريقيا. ورافق العديد من السفراء الفرنسيين في رحلات مهمة من بينها واحدة إلى المغرب في 1698.
في 1692، أصبح رئيس قسم اللغة العربية في "كوليج دو فرانس"، وبقي في هذا المنصب حتى وفاته في 1713.
إلا أن عمله كمترجم ووسيط ثقافي هو ما رسخ شهرته الدائمة. أشهر ترجماته كتاب "ألف يوم ويوم" الذي أسر خيال القراء الفرنسيين وأثر في الأدب الأوروبي.
كما ترجم العديد من الأعمال التاريخية، بما في ذلك تاريخ شامل لجنكيز خان (1710) وتاريخ لتيمورلنك (1722)، مستندا إلى مصادر فارسية وتركية أصلية. قدّمت هذه الترجمات التاريخية للأوروبيين سردا مفصلا لتاريخ آسيا الوسطى وبلاد فارس، مما ساهم في تصحيح مفاهيم خاطئة وتوسيع فهمهم لهاتين الإمبراطوريتين.
وفي ترجماته لم يكتف بيتيس دي لا كروا بترجمة النصوص حرفيا، بل سعى إلى نقل روح النص أيضا.
وقد ساهمت ترجماته في في تنمية فضول حقيقي تجاه الشرق، متجاوزًا مجرد النظرة الاستشراقية إلى تقدير أعمق لتاريخه وآدابه المتنوعة.
توفي بيتيس لاكروا في 1713 .
"حكايات تركية" (1707)
"ألف يوم ويوم" (Les mille et un jours)، وهو مجموعة من القصص الخيالية حكايات مستوحاة من "ألف ليلة وليلة". نُشرت في خمسة مجلدات بين 1710 و1712. قيل إنها ترجمها لمجموعة فارسية بعنوان "هزار و يك روز" (هزار و يک روز أو "ألف يوم ويوم") حصل عليها من "درويش موكليس" أو "مكلاس" في أصفهان في 1675، لكنها في الواقع مقتبسة من الكتاب التركي "فرج بعد الشدائد".
حرر ونشر في 1710 سيرة والده الموثوقة لجنكيز خان، "تاريخ جنكيزخان العظيم، أول إمبراطور للمغول والتتار القدماء".
ترجمة إلى الفرنسية لكتاب شرف الدين علي يزدي "زعفرنامه"، نُشر في 1722، أي بعد وفاته.
أرسل كولبير بيتيس لا كروا إلى الشرق الأوسط في 1670 في إطار مسعى أوسع لتعزيز العلاقات التجارية والدبلوماسية الفرنسية مع الإمبراطورية العثمانية ومناطق أخرى في بلاد الشام. كان هدف هذه الرحلة الاستكشافية إلى جمع المعلومات الاستخباراتية وتنمية العلاقات التجارية ودعم المصالح الفرنسية في المنطقة. كانت فرنسا حينذاك تسعى إلى تعزيز وجودها التجاري في الشرق، لا سيما على طرق التجارة التي تربط أوروبا بآسيا، من أجل الحفاظ على نفوذها وتوسيعه. كان من أهداف البعثة أيضا تشجيع التبادل الثقافي وجمع المعرفة حول لغات وعادات وتقاليد دول الشرق الأوسط. وكلف بيتيس لا كروا أيضا جمع معلومات حول الملاحة وطرق التجارة وفهم السياسة المحلية.
"قاموس السير الفرنسي" (Dictionnaire de biographie française)
"موسوعة المستشرقين"، عبد الرحمن بدوي
"الاستشراق"، إدوارد سعيد