(1700-1612) لودوفيكو ماراتشي
Ludovico MARACCI
Ludovico MARACCI
لودوفيكو ماراتشي (1612-1700) كاهن كاثوليكي إيطالي ومستشرق أثرت دراساته حول النصوص العربية والإسلامية على الفهم الأوروبي للقرآن الكريم والأدب الإسلامي لأكثر من قرن. وقد كرّس حياته لتعلم وتدريس العربية والعبرية والسريانية.
ولد ماراتشي المعروف أيضا باسم لويجي ماراتشي، في لوكا في منطقة توسكاني بوسط إيطاليا، وتلقى تعليما في اللغات الكلاسيكية والسامية.
دخل ماراتشي سلك الكهنوت مبكرا، وجعل من روما مركزا لنشاطه الفكري. هناك، أتيحت له فرصة الوصول إلى مجموعات المخطوطات الغنية في المكتبات الرومانية، وشبكات العلماء والمبشرين الذين سعوا إلى اكتساب معرفة دقيقة بلغات الشرق لأغراض دفاعية وتبشيرية.
كان إتقان ماراتشي للغة العربية استثنائيا في عصره. فقد قرأ عددا هائلا من المخطوطات العربية وجمع القراءات المختلفة لها، وبذل جهدا كبيرا في إعداد طبعات موثوقة وترجمات لاتينية دقيقة لنصوص عربية.
في 1698، نشر ماراتشي الذي كان أستاذا للغة العربية في كلية الحكمة في روما، كتاب "النص العالمي للقرآن" باللغتين العربية واللاتينية، في بادوفا.
لم يكن العمل مجرد ترجمة. فقد تضمن النص العربي الكامل، مرفقا بترجمة لاتينية حرفية، ومجموعة كبيرة من الملاحظات اللغوية، والقراءات المختلفة، والردود اللاهوتية.
قبل طباعة الترجمة، نشر ماراتشي في 1691، كتابا باللغة اللاتينية بعنوان "مقدمة تفنيد القرآن الكريم" (Prodromus Ad Refutationem Alcoran).
في هذا العمل الذي يقع في أربعة مجلدات، قدم ما اعتبره "ردا" شاملا على الإسلام. وقد رأى أنه من الضروري "تحصين" القراء المسيحيين ضد النص قبل السماح لهم بقراءته.
وخلافا لمعظم الباحثين في العصور الوسطى الذين اعتمدوا على معلومات غير أقوال وشائعات، استخدم ماراتشي مصادر إسلامية. وقد اعتمد بشكل كبير على تفسير الجلالين ومؤلفات الزمخشري. وعبر استخدام التفسير الإسلامي لشرح القرآن، حقق مستوى من الدقة اللغوية غير مسبوق في أوروبا، وإن كان الهدف دحض النص.
خاض ماراتشي معركة مريرة مع الفاتيكان لطباعة القرآن الكريم.
فقد حظرت الكنيسة الكاثوليكية طباعة القرآن الكريم أو ترجماته بشكل قاطع منذ منذ ثلاثينيات القرن السادس عشر، لأنها كانت تعتبر كتاب "هرطقة" يشكل خطرا على عقيدة المسيحيين. ورأى عدد كبير من الكرادلة أن طباعة الكتاب، حتى إذا كان مرفقا بتفنيد لمضمونه يعد تجديفا وأمرا خطيرا.
كان ماراتشي يعمل حينذاك مرشدا روحيا للبابا إنوسنت الحادي عشر. وهذا ما أمن له بعض الحماية لكن لم يضمن له نشر الترجمة.
ورأى ماراتشي أن الحل الوحيد لإقناع المسلمين باعتناق الكاثوليكية ومنع المسيحيين من اعتناق الإسلام هو عرض النص عليهم كما هو، بكل ما تراه الكنيسة من عيوب ومزايا.
وقد نجح في ذلك، لكن الكتاب كان ضخما ومكلفا ومليئا باللاهوت اللاتيني، مما جعله بعيدا عن عامة الناس، وهو ما أراده الرقيب تحديدا.
نشرت طبعة ماراتشي في مجلدين تحت عنوان "النص القرآني العالمي العربي واللاتيني" في 1698 في مدينة بادوفا في إيطاليا. وقد تضمنت سيرة النبي محمد، مع ملاحظات، وتفنيدات للعقائد الإسلامية.
كما شملت نصوصا من أعمال ابن أبي زمانين، والثعلبي، والزمخشري، والبيضاوي، والسيوطي.
تميّزت ترجمة ماراتشي بمحاولتها الالتزام الحرفي الصارم بالنص، وبالهوامش والتعليقات الختامية المفصلة التي تهدف إلى توضيح التناقضات والأخطاء العقائدية من وجهة نظر مسيحية.
أمضى ماراتشي أربعين عاما في دراسة العربية وتفاسير علماء مسلمين، لذلك جاءت ترجمته متقنة لغويا والط العربي فيها واضحا ومنظما.
وشكل هذا العمل معيارا أساسيا في عدد من الأوساط الكاثوليكية، وظل مؤثرا إلى أن ظهرت ترجمات جديدة ومناهج استشراقية أكثر موضوعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وخلال المئة والخمسين عاما التالية، اعتمد جميع مترجمي القرآن الكريم الأوروبيين تقريبا، على ترجمة ماراتشي للقرآن الكريم، بمن فيهم الإنكليزي جورج سيل (حوالي 1697-1736)، الذي ينسب إليه الفضل في نشر أول ترجمة "شعبية" للقرآن في الغرب. وكانوا يعودون إلى ترجمته اللاتينية عندما تواجههم أي صعوبة في فهم النص العربي.
وكان إلمامه بقواعد اللغة العربية عميقا إلى درجة أنه حتى الباحثين المعاصرين يقرّون بأنه قدم واحدة من أدق الترجمات الحرفية للقرآن الكريم التي أُنتجت بلغة أوروبية.
قبل ترجمته للقرآن الكريم، شارك ماراتشي في مشروع باء بالفشل وهو "الكتاب المقدس العربي" (1671). فقد كان الفاتيكان يريد نسخة موحدة من الكتاب المقدس باللغة العربية لإرسالها إلى مسيحيي الشرق الأوسط لتقريبهم من روما. وكان ماراتشي أحد المحررين الرئيسيين للنص.
وقرر الفريق "تصحيح" الأسلوب العربي ليطابق النسخة اللاتينية، فكانت النتيجة ترجمة ركيكة وغير سلسة رفضها معظم المسيحيين العرب.
وهذا الفشل كان له تأثير كبير على ماراتشي ودفعه إلى توخي مزيد من الدقة في التعامل مع اللغة العربية في القرآن.
لاحظ معظم الباحثين الذين درسوا كتابات ماراتشي وجود تناقض مهم في أعماله. ففي مذكراته الخاصة، وحتى في أجزاء من كتابه "الرد"، يقرّ ماراتشي بجمال اللغة العربية، ويتحدث عن "القافية والإيقاع" في سور القرآن.
لكنه يركز على ما وصفه ب"الخرافات" و"الأكاذيب" و"الأخطاء التاريخية"، ويسعى إلى تأكيد أن القرآن "مزيج" من قصص التلمود اليهودي وكتب مسيحية غير صحيحة.
وقد أمضى عقودا في تتبع كل قصة في القرآن ليصل إلى مصدر محتمل قبل الإسلام، مُبتكرا بذلك المنهج "التاريخي النقدي" في دراسات القرآن، وإن كانت نيته عدائية.
وضع ماراتشي أيضا أدوات نحوية ومعجمية لمساعدة العلماء والمبشرين الأوروبيين على تعلم اللغة العربية بشكل صحيح. وقد ركز على الاهتمام بالأسلوب والصرف وتقاليد المخطوطات، وصحح الكثير من الترجمات والاقتباسات الأوروبية السابقة للنصوص الإسلامية.
إلا أن مؤلفاته لم ترض الجميع. فبعض معاصريه أشادوا بدقتها بينما انتقدها آخرون بسبب سعيه بوضوح إلى دحض الإسلام من وجهة نظر لاهوتية بدلا من عرضه بموضوعية.
أمضى ماراتشي الجزء الأكبر من حياته المهنية في عزلة نسبية خارج الأوساط العلمية والدينية، مفضلاً العمل الهادئ.
توفي ماراتشي في روما في 1700.
وهو يوصف اليوم بأنه من أوائل علماء اللغة وشخصية مهمة في الدراسات الدينية في أوائل العصر الحديث في أوروبا.
في 2012، اكتُشفت مجموعة من مخطوطاته تتألف من حوالي عشرة آلاف صحفة، في رهبنة أم الرب في روما. وهي تتضمن أعمالا له وملاحظات ومعلومات مهمة عن منهجه في ترجمة القرآن الكريم، بالإضافة إلى نسخ مختلفة من ترجماته.
فرضت الكنيسة الكاثوليكية قيودا صارمة وصلت إلى حد حظر طباعة القرآن الكريم باللغة العربية أو ترجماته خلال القرن السادس عشر في إطار "الإصلاح المضاد" والصراع مع الدولة العثمانية. فقد أدرجت القرآن الكريم على لائحة الكتب المحظورة التي صدرت رسمياً في منتصف القرن السادس عشر، معتبرة أنه كتاب "هرطقة" يشكل خطراً على عقيدة المسيحيين. لكنها سمحت أحيانا لعلماء اللاهوت فقط بالاطلاع على القرآن، شرط أن يكون الهدف هو تفنيده والرد عليه، وليس نشره بين العامة. وأي طباعة لم تكن تصحبها "ردود مسيحية" كانت تُعتبر غير قانونية. القرن السادس عشر، كانت البندقية مركز الطباعة الأول في العالم، لكنها خضعت لرقابة صارمة من محاكم التفتيش التي تعاونت مع السلطات المحلية لضمان عدم نشر كتب "تهدد الإيمان الكاثوليكي". هذا الحظر يتراجع تدريجيا في نهاية القرن السابع عشر، لكن بعد أن ضمنت الكنيسة أن الطباعة ستكون تحت إشرافها الكامل ومع إرفاق "ترجمة لاتينية وردود عقائدية" تضمن توجيه القارئ الأوروبي.
"المستشرقون"، نجيب العقيقي