(1665-1618)ليفينوس فارنر
Levinus WARNER
Levinus WARNER
ليفينوس فارنر (1618-1665) دبلوماسي ومستشرق ألماني من أهم جامعي المخطوطات الشرقية في أوائل العصر الحديث. أمضى عقودا في إسطنبول ممثلا للجمهورية الهولندية وأسس مكتبة أصبحت مصدرا للدراسات الغربية في اللغات العربية والفارسية والتركية والسريانية والعبرية.
وُلد ليفينيوس أو ليفينوس فارنر في إمارة ليبي (ألمانيا) في الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
أتم دراسته الثانوية في مدينة بريمن في 1636، ثم التحق بعد سنتين بجامعة لايدن في الجمهورية الهولندية لدراسة الفلسفة.
درس عددا من اللغات الشرقية على يد ياكوبوس غوليوس (1596-1667)، والعبرية التوراتية على يد كونستانتين لامبيرور (1591-1648). في تلك الفترة كان يعمل مدرسا لأبناء شقيق نبيل بوهيمي مغترب، ورافقهم في 1642 إلى أمستردام.
بين 1642 و1644، نشر أربع رسائل قصيرة حول مواضيع تتعلق بالشرق، على ما يبدو للحصول على رعاية تجار وعلماء هولنديين أثرياء.
في خريف 1645، وصل إلى اسطنبول حيث عمل في السنوات الأولى سكرتيرا للمقيم الهولندي نيكولاس غيسبريشتي أو غيسبريشتس، وهو صائغ من جنوب هولندا شارك في التوصل إلى الامتيازات التي منحت للجمهورية الهولندية في 1612.
بعد وفاة غيسبريشتي في 1654، تولى فارنر منصب المقيم، أي الممثل الدبلوماسي لهولندا.
وقد أتاح له منصبه الرسمي هذا الوصول إلى دوائر البلاط والقنصلية، والحصول على الوسائل العملية، من علاقات ووقت ومعرفة محلية، لمتابعة اقتناء المخطوطات والكتب في جميع أنحاء بلاد الشام ومن خارجها.
عاش فارنر حياة هادئة نسبيا "على الطريقة التركية بالكامل" على حد قوله، لم يعكر صفوها من حين لآخر إلا بعض الخلافات الدبلوماسية التي أدى أحدها إلى سجنه مؤقتا في قصر السلطان في أدرنة.
بصفته دبلوماسيا، كان فارنر يستطيع المشاركة في المهام القنصلية المتعلقة بالتجارة الهولندية من وإلى الدولة العثمانية، مما شكل مصدر خلاف لا ينقطع مع القنصل الهولندي في إزمير، مركز النشاط الاقتصادي الهولندي في بلاد الشام.
ومع ذلك، لعب فارتر دورا كبيرا في تسهيل المبادلات الدبلوماسية والثقافية بين الهولنديين والسلطنة العثمانية.
كان فارنر مهتما بالمخطوطات النادرة والقديمة والوثائق مثل المراجع القانونية والسجلات التاريخية والقواميس.
وخلال إقامته الدائمة في اسطنبول لمدة عشرين عاما، اقتنى مجموعة خاصة تضم ما يزيد على 900 مخطوطة حوالي ثلثيها باللغة العربية، و73 مخطوطة عبرية، وبعض المخطوطات اليونانية، ومخطوطتين باللغة الأرمنية. كما ضمت مجموعته 218 كتابا عبريا مطبوعا.
وقد جمع هذه المخطوطات من مكتبات خاصة ومؤسسات دينية وناسخين وتجار الكتب في جميع أنحاء الأراضي العثمانية والمناطق المجاورة. ويعود عدد كبير من مخطوطات فارنر إلى بيروقراطيين أو علماء عثمانيين رفيعي المستوى.
ومن مقتنياته القيمة باللغة العربية مؤلفات في القانون واللاهوت والتاريخ والشعر والعلوم. ومن بينها مخطوطة "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، وأخرى مؤرخة في 866 لكتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، وهي أقدم مخطوطة عربية ورقية مؤرخة في العالم الغربي.
كما حصل على مخطوطات من الأدب الفارسي وعلم التأريخ، ونصوص سريانية ومسيحية شرقية، ووثائق تعود إلى مكتبات خاصة لسلاطين عثمانيين، وعددا من المخطوطات من مكتبات أمراء أيوبيين وسلاطين مماليك، ومخطوطات عبرية مهمة يعود معظمها إلى القرائين، وهي طائفة يهودية غير حاخامية أثارت اهتمام العلماء البروتستانت المعاصرين له في أوروبا.
حصل فارنر على مخطوطاته وكتبه من خلال تجارة الكتب القديمة التي كانت رائجة في إسطنبول، واستعان بوسطاء للحصول على مخطوطات في المزادات.
وقد ساعده عرب من أصول حلبية، مثل العالم والأديب والمؤرخ السوري محمد أبو الوفاء العرضي الحلبي (حوالي 1602-1660)، الذي أجبره تعثر مسيرته المهنية على عرض خدماته على فارنر، وصالح أفندي الحلبي المعروف بابن سلوم (توفي في 1670)، أحد أشهر الأطباء في العصر العثماني والطبيب العام للسلطان محمد الرابع.
وعمل لديه ناسخٌ آخر من حلب، هو الشاعر والكاهن نقولا بن بطرس الحلبي أو نيكولاس بتري (1692-1756).
في 1659، اشترى فارنر جزءا كبيرا من المجموعة الخاصة للعالم الموسوعي التركي الشهير كاتب جلبي (1609-1657)، المعروف أيضا باسم "حاجي خليفة". وكانت هذه المجموعة تعد أكبر مكتبة خاصة في اسطنبول.
وقد أجرى مراسلات علمية مع مستشرقين وتجار ومسؤولين أوروبيين، وتبادل معهم معلومات ونسخا للمخطوطات وأحيانا المخطوطات نفسها.
فقد كان فارنر وسيطا بين المصادر العثمانية والباحثين الأوروبيين. وقد كلف إجراء مقارنات بين الوثائق ووصفها، وساعد في ترتيب نقل المواد إلى أيدي الغربيين.
اشتهرت مكتبته في حياته بحجمها الكبير وتنظيمها الدقيق، وأثارت اهتمام الباحثين في الجمهورية الهولندية وغيرها.
توفي فارنر في إسطنبول عام 1665. وإدراكا منهم لقيمة مجموعته للعلم وللمصلحة الوطنية، رتب ورثته ومنفذو وصيته بيع المكتبة ونقلها إلى مدينة لايدن الهولندية.
ففي 1666، اقتنت جامعة لايدن مخطوطات فارنر وكتبه التي شكلت نواة مجموعة شرقية متاحة للجمهور، أثرت مكتبة لايدن وعززت القدرات الأكاديمية للجامعة.
لعبت "مجموعة فارنر" أو "مكتبة فارنر" دورا أساسيا في أبحاث فقه اللغة والتاريخ والدراسات الدينية.
وقد فهرس العديد من مخطوطاتها ودرسها وحررها باحثون أوروبيون لاحقا، مما أثر على الطبعات والترجمات خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.
أما مراسلاته، فقد نشرها وليام نيكولاس دو ريو في 1883.
"موسوعة المستشرقين"، عبد الرحمن بدوي
"المستشرقون"، نجيب العقيقي